الجمعة، 18 مايو 2018

الجزء الخامس
إمتناع قريش عن هدم الأساس وسببه
قال إبن إسحق: فحدثني بعض من يروي الحديث أن رجلاً من قريش ممن كان يهدمها أدخل عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما فلما تحرك الحجر تنقضت مكة بأسرها فإنتهوا عن ذلك الأساس.
قال الإسماعيلي العظيم: الظاهر من إبن إسحق أنه يروي عن العوام بقوله تنقضت مكة بأسرها فليس يروع من عمل برضى الله.
قال إبن إسحق: وحدثت أن قريشاً وجدوا في الركن كتاباً بالسريانية فلم يدروا ما هو حتى قرأه لهم رجل من يهود فإذا هو أنا الله ذو بكة خلقتها يوم خلقت السموات والأرض وصورت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء لا تزول حتى يزول أخشباها مبارك لأهلها في الماء واللبن.
قال إبن هشام: أخشباها جبلاها.
قال الإسماعيلي العظيم: كتاب بالسريانية لا وجود له ومن تأليف الموالي من أهل السبي النصارى واليهود والمجوس وفيه تسطير من الإنجيل والتوراة بذكر الماء واللبن فالسريانية تسطرت وتغيرت مثل غيرها فليس الكتاب من آثار النبي إبراهيم عليه السلام.
قال إبن إسحق: وحدثت أنهم وجدوا في المقام كتاباً فيه مكة بيت الله الحرام يأتيها رزقها من ثلاثة سبل لا يحلها أول من أهلها.
قال إبن إسحق: وزعم ليث إبن أبي سليم أنهم وجدوا حجراً في الكعبة قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة إن كان ما ذكر حقاً مكتوباً فيه من يزرع خيراً يحصد غبطة ومن يزرع شراً يحصد ندامة تعملون السيئات وتجزون الحسنات أجل كما لا يجتنى من الشوك العنب.
قال الإسماعيلي العظيم: ليث إبن أبي سليم الكوفي مولى آل أبي سفيان بن حرب الأموي مات عام ثمانية وثلاثين ومئة كما قال مطين وقال أبو بكر بن محموية وإبن حبان مات سنة ثلاث وأربعين ومئة محدث الكوفى وأحد علمائها الأعيان لين في حديثه لنقص حفظه قال فيه أحمد بن حنبل مضطرب الحديث وقال جرير ليث أكثر تخليظاً وقال يحيى بن معين ليث ضعيف, والرواية فيها شيء من كتب أهل الكتاب في سطر كما لا يجبى من الشوك العنب. 
 إختلاف قريش فيمن يضع الحجر ولعقة الدم
قال إبن إسحق: ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها كل قبيلة تجمع على حدة ثم بنوها حتى بلغ البنيان موضع الركن فإختصموا فيه كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى حتى تحاوزوا وتحالفوا وأعدوا للقتال فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دماً ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب بن لؤي على الموت وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة فسموا لعقة الدم فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمساً ثم إنهم إجتمعوا في المسجد وتشاوروا وتناصفوا.
 رأي أبي أمية بتحكيم أول داخل فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم
فزعم بعض أهل الرواية أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وكان عامئذ أسن قريش كلها قال يا معشر قريش إجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه ففعلوا فكان أول داخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوه قالوا هذا الأمين رضينا هذا محمد فلما إنتهى إليهم وأخبروه الخبر قال صلى الله عليه وسلم هلم إلي ثوبا فأتي به فأخذ الركن فوضعه فيه بيده ثم قال لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم إرفعوه جميعاً ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده ثم بنى عليه. 
وكانت قريش تسمي رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل أن ينزل الوحي الأمين.
  شعر الزبير في الحية التي كانت تمنع قريش من بنيان الكعبة
فلما فرغوا من البنيان وبنوها على ما أرادوا قال الزبير بن عبد المطلب فيما كان من أمر الحية التي كانت قريش تهاب بنيان الكعبة لها:
عجبت لما تصوبت العقاب       إلى الثعبان وهي لها إضطراب    
وقد كانت يكون لها كشيش     وأحيانا يكون لها وثاب    
إذا قمنا إلى التأسيس شدت     تهيبنا البناء وقد تهاب    
فلما أن خشينا الرجز جاءت     عقاب تتلئب لها إنصباب    
فضمتها إليها ثم خلت       لنا البنيان ليس له حجاب    
فقمنا حاشدين إلى بناء     لنا منه القواعد والتراب    
غداة نرفع التأسيس منه      وليس على مسوينا ثياب    
أعز به المليك بني لؤي      فليس لأصله منهم ذهاب    
وقد حشدت هناك بنو عدي      ومرة قد تقدمها كلاب   
فبوأنا المليك بذاك عزاً      وعند الله يلتمس الثواب
قال إبن هشام: ويروى وليس على مساوينا ثياب.
قال الإسماعيلي العظيم: سالفة الأزر والسير عرايا والحج بغير ثياب كذبة من كذب الرواة العجم ومنهم معمر بن المثنى الفارسي المتوفى عام تسعة ومئتين هجرية لأن العرب لا يلبسون الازر وليس من لباسهم بل الأزر لباس أهل اليمن والهند وأهل مصر والسواحل ولباس العرب القُمُص الطويلة والسراويل الفضفاضة والبرود والجباب كما ذكرهم هيرودس في تأريخه, كشيش إسم الإفعى ونحن شعب الهوسات الشعب المعدي في جنوب العراق نسمي بكشيش وأتذكر الشيخ الكبير زاير كشيش المنصوري الشعر فيه ركة. 
 إرتفاع الكعبة وكسوتها
وكانت الكعبة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة ذراعاً وكانت تُكسى القباطي ثم كُسيت البرود وأول من كساها الديباج الحجاج بن يوسف.
قال الإسماعيلي العظيم: القباطي نسيج يصنع أو نسج في اليمن ومصر.
حديث الحمس قريش تبتدع الحمس
قال إبن إسحق: وقد كانت قريش لا أدري أقبل الفيل أم بعده إبتدعت رأي الحمس رأياً رأوه وأداروه فقالوا نحن بنو إبراهيم وأهل الحرمة وولاة البيت وقطان مكة وساكنها فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منزلتنا ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا فلا تعظموا شيئاً من الحل كما تعظمون الحرم فإنكم إن فعلتم ذلك إستخفت العرب بحرمتكم وقالوا قد عظموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم صلى الله عليه وسلم ويرون لسائر العرب أن يقفوا عليها وأن يفيضوا منها إلا أنهم قالوا نحن أهل الحرم فليس ينبغي لنا أن نخرج من الحرمة ولا نعظم غيرها كما نعظمها نحن الحمس والحمس أهل الحرم ثم جعلوا لمن ولدوا من العرب من ساكن الحل والحرم مثل الذي لهم بولادتهم إياهم يحل لهم ما يحل لهم ويحرم عليهم ما يحرم عليهم.
القبائل التي آمنت مع قريش بالحمس
وكانت كنانة وخزاعة قد دخلوا معهم في ذلك.
قال إبن هشام: وحدثني أبو عبيدة النحوي أن بني عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن دخلوا معهم في ذلك وأنشدني لعمرو بن معدي كرب:
أعباس لو كانت شياراً جيادنا        بتثليث ما ناصيت بعدي الأحامسا
قال إبن هشام: تثليث موضع من بلادهم والشيار السمان الحسان يعني بالأحامس بني عامر بن صعصعة وبعباس عباس بن مرداس السلمي وكان أغار على بني زبيد بتثليث وهذا البيت من قصيدة لعمرو وأنشدني للقيط بن زرارة الدارمي في يوم جبلة:
أجذم إليك إنها بنو عبس     المعشر الجلة في القوم الحمس
لأن بني عبس كانوا يوم جبلة حلفاء في بني عامر بن صعصعة.
قال الإسماعيلي العظيم: أبو عبيد معمر بن المثنى الفارسي البصري التيمي بالولاء المتوفى عام تسع ومئتين قصّاص وأديب لم يكذبه أهل الحديث لأنه لم يروي الحديث وعمله الأدب والشعر وكان يبغض العرب شعوبياً عنصرياً ورأيه الخوارج يألف الشعر من تلقاء نفسه ويقصه, عمر بن معد يكرب شخصية وهمية ليس لها وجود وغارة العباس بن مرداس السلمي على زبيد لا يصدقها إلا الجاهل بالجغرافية لبعد المسافة بين زبيد في اليمن وديار بني سليم بين مكة والمدينة شعر عمرو بن معد يكرب لا بأس به شعر لقيط بن زرارة ركيك في عجزه لأن أبا عبيد النحوي لا يستطيع أن يأتي بقصيدة كامله سوى بيت أو بيتين.
يوم جبلة
ويوم جبلة يوم كان بين بني حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم وبين بني عامر بن صعصعة فكان الظفيوم ذي نجبر فيه لبني عامر بن صعصعة على بني حنظلة وقتل يومئذ لقيط بن زرارة بن عدس وأسر حاجب بن زرارة بن عدس وإنهزم عمرو بن عمرو بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم بن مالك بن حنظلة ففيه يقول جرير للفرزدق:
كأنك لم تشهد لقيطاً وحاجباً     وعمرو بن عمرو إذ دعوا يا لدارم
وهذا البيت في قصيدة له.
قال الإسماعيلي العظيم: الشعر لجرير.
ثم إلتقوا يوم ذي نجب فكان الظفر لحنظلة على بني عامر وقتل
يومئذ حسان بن معاوية الكندي وهو إبن كبشة وأسر يزيد بن الصعق الكلابي وإنهزم الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب أبو عامر بن الطفيل ففيه يقول الفرزدق:
ومنهن إذ نجى طفيل بن مالك     على قرزل رجْلا ركوض الهزائم    
ونحن ضربنا هامة إبن خويلد     نزيد على أم الفراخ الجواثم
وهذان البيتان في قصيدة له فقال جرير:
ونحن خضبنا لإبن كبشة تاجه     ولاقى إمرأ في ضمة الخيل مصقعا
وهذا البيت في قصيدة له وحديث يوم جبلة ويوم ذي نجب أطول مما ذكرنا وإنما منعني من إستقصائه ما ذكرت في حديث يوم الفجار.
قال الإسماعيلي العظيم: الشعر للفرزدق.
ما زادته العرب في الحمس
قال إبن إسحق: ثم إبتدعوا في ذلك أموراً لم تكن لهم حتى قالوا لا ينبغي للحمس أن يأتقطوا الأقط ولا يسلئوا السمن وهم حرم ولا يدخلوا بيتا من شعر ولا يستظلوا إن إستظلوا إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرماً ثم رفعوا في ذلك فقالوا لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحل إلى الحرم إذا جاءوا حجاجاً أو عماراً ولا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس فإن لم يجدوا منها شيئاً طافوا بالبيت عراة.
اللقى عند الحمس
فإن تكرم منهم متكرم من رجل أو إمرأة ولم يجد ثياب الحمس فطاف في ثيابه التي جاء بها من الحل ألقاها إذا فرغ من طوافه ثم لم ينتفع بها ولم يمسها هو ولا أحد غيره أبداً فكانت العرب تسمي تلك الثياب اللقى فحملوا على ذلك العرب فدانت به ووقفوا على عرفات وأفاضوا منها وطافوا بالبيت عراة أما الرجال فيطوفون عراة وأما النساء فتضع إحداهن ثيابها كلها إلا درعاً مفرجاً عليها ثم تطوف فيه فقالت إمرأة من العرب وهي كذلك تطوف بالبيت:
اليوم يبدو بعضه أو كله        وما بدا منه فلا أحله
ومن طاف منهم في ثيابه التي جاء فيها من الحل ألقاها فلم ينتفع بها هو ولا غيره فقال قائل من العرب يذكر شيئاً تركه من ثيابه فلا يقربه وهو يحبه:
كفى حزناً كري عليها كأنها     لقى بين أيدي الطائفين حريم
يقول لا تمس.
قال الإسماعيلي العظيم: قصة طواف العرب وهم عراة فيها نظر فالحاج يطوفون بإلقاء ثيابهم المخيطة ويتلحفون بكساء مثل الكفن يخرجون أكتافهم فقط فالطواف عراة في الجاهلية وفي عرف قبلي وعشائري وحمية جاهلية وغير مدنية ولا تحدث عصبيات فهذا شيء عجيب فأظن أن طواف العرب حول الكعبة عراة في الجاهلية كذبة كذبها الأعاجم في العهد العباسي الفارسي والتركي والبويهي الفارسي والسلجوقي التركي لكراهية وعنصرية على العرب من الفرس والترك لأن الرواية قد تكون دس من إبن هشام أو رواها عن إبن إسحق نقلاً لا تدويناً وأما شعر ضباعة بنت عامر بن صعصعة خطيبة رسول الله (ص) كما ذكر في كتاب الروض الآنف والطبقات الكبرى والحلية ورواية مسلم بن الحجاج النيسابوري الفارسي مولى بني قشير قبيلة ضباعة بنت عامر القشيرية رضي الله عنها زوجة هشام والد أبي جهل أخو سلمة إبن هشام, أنها قالت اليوم يبدو بعضه كذب شعر منحول أو أنه من شعر صعلوك فالرواية موجودة في تراث الفرس والهند والروم وحتى في التراث الإنكليزي بأن أحد ملوك إنكلترة أمر زوجته بالتجوال في الطرقات وهي عارية وما كان من الشعب الإنكليزي إلا أن حبسوا أنفسهم في بيوتهم حتى لا يروا زوجة الملك وهي عارية, الشعر قد يكون شعراً جاهلياً ومسئلتنا هي نفي الطواف حول الحرم وهم عراة والبيت الآخر كفى حزناً كري زين مرموق.
الإسلام يبطل عادات الحُمس
فكانوا كذلك حتى بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم فأنزل عليه حين أحكم له دينه وشرع له سنن حجه ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس وإستغفروا الله إن الله غفور رحيم ) يعني قريشاً والناس العرب فرفعهم في سنة الحج إلى عرفات والوقوف عليها والإفاضة منها وأنزل الله عليه فيما كانوا حرموا على الناس من طعامهم ولبوسهم عند البيت حين طافوا عراة وحرموا ما جاءوا به من الحل من الطعام ( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا وإشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ) فوضع الله تعالى أمر الحمس وما كانت قريش إبتدعت منه على الناس بالإسلام حين بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم.
قال الإسماعيلي العظيم: الأية القرآنية ( يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا وإشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ......) الآية ليست برهان على أن العرب يطوفون عراة حول الحرم قد يحرمون لبس شيء من لباسهم وتحريم شيء من طعامهم ولكن طوافهم حول الكعبة عراة فهذا شيء فيه نظر ومن أفعال المجوس الفرس الذين كذبوا على العرب في العهد العباسي.
 الرسول صلى الله عليه وسلم يخالف الحمس قبل الرسالة                               
قال إبن إسحق: حدثني عبد الله إبن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عثمان إبن أبي سليمان بن جبير بن مطعم عن عمه نافع بن جبير عن أبيه جبير بن مطعم قال لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل عليه الوحي وإنه لواقف على بعير له بعرفات مع الناس من بين قومه حتى يدفع معهم منها توفيقاً من الله له صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً. 
قال الإسماعيلي العظيم: السند صحيح فيه عبد الله إبن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم والي المدينة وقاضيها توفي عام واحد ومئة هو ثقة وعثمان إبن أبي سليمان بن جبير ثقة ونافع بن جبير توفي عام تسعة وتسعين هجرية ثقة إبن صحابي وجبير بن مطعم (رض) صحابي أسلم بعد الحديبية وكان أبوه المطعم ممن نقض الصحيفة التي قاطعت بها قريش بني هاشم وكان قد ذكره أبو طالب في شعره.
إخبار الكُهان من العرب والأحبار من يهود والرُهبان من النصارى
الكُهان والأحبار والرُهبان يتحدثون بمبعثه
قال إبن إسحق: وكانت الأحبار من يهود والرهبان من النصارى والكهان من العرب قد تحدثوا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه لما تقارب من زمانه أما الأحبار من يهود والرهبان من النصارى فعما وجدوا في كتبهم من صفته وصفة زمانه وما كان من عهد أنبيائهم إليهم فيه وأما الكهان من العرب فأتتهم به الشياطين من الجن فيما تسترق من السمع إذ كانت وهي لا تحجب عن ذلك بالقذف بالنجوم وكان الكاهن والكاهنة لا يزال يقع منهما ذكر بعض أموره لا تلقي العرب لذلك فيه بالاً حتى بعثه الله تعالى ووقعت تلك الأمور التي كانوا يذكرون فعرفوها.
 قذف الجن بالشهب دلالة على مبعثه صلى الله عليه وسلم
فلما تقارب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحضر مبعثه حجبت الشياطين عن السمع وحيل بينها وبين المقاعد التي كانت تقعد لإستراق السمع فيها فرموا بالنجوم فعرفت الجن أن ذلك لأمر حدث من أمر الله في العباد يقول الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم حين بعثه وهو يقص عليه خبر الجن إذ حجبوا عن السمع فعرفوا ما عرفوا وما أنكروا من ذلك حين رأوا ما رأوا ( قل أوحي إلي أنه إستمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً وأنه تعالى جد ربنا ما إتخذ صاحبة ولا ولداً وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططاً وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذباً وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً ) إلى قوله ( وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً ) فلما سمعت الجن القرآن عرفت أنها إنما منعت من السمع قبل ذلك لئلا يشكل الوحي بشيء من خبر السماء فيلتبس على أهل الأرض ما جاءهم من الله فيه لوقوع الحجة وقطع الشبهة فآمنوا وصدقوا ثم ولوا إلى قومهم منذرين ( قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ) الآية وكان قول الجن ( وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً ) أنه كان الرجل من العرب من قريش وغيرهم إذا سافر فنزل بطن واد من الأرض ليبيت فيه  قال إني أعوذ بعزيز هذا الوادي من الجن الليلة من شر ما فيه.
قال إبن هشام: الرهق الطغيان والسفه قال رؤبة بن العجاج:
إذ تستبي الهيامة المرهقا
وهذا البيت في أرجوزة له والرهق أيضاً طلبك الشيء حتى تدنو منه فتأخذه أو لا تأخذه قال رؤبة بن العجاج يصف حمير وحش:
بصبصن وإقشعررن من خوف الرهق
وهذا البيت في أرجوزة له والرهق أيضاً مصدر لقول الرجل للرجل رهقت الإثم أو العسر الذي أرهقتني رهقاً شديداً أي حملت الإثم أو العسر الذي حملتني حملاً شديداً وفي كتاب الله تعالى ( فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً ) وقوله ( ولا ترهقني من أمري عسراً ).
قال الإسماعيلي العظيم: الجن توحي الى الأنس وسواس وإحاء وليس كلام مبين الشعر لا بأس به.
ثقيف أول من فزعت برمي الجن
قال إبن إسحق: وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن أول العرب فزع للرمي بالنجوم حين رمي بها هذا الحي من ثقيف وأنهم جاءوا إلى رجل منهم يقال له عمرو بن أمية أحد بني علاج قال وكان أدهى العرب وأنكرها رأيا فقالوا له يا عمرو ألم تر ما حدث في السماء من القذف بهذه النجوم قال بلى فإنظروا فإن كانت معالم النجوم التي يهتدى بها في البر والبحر وتعرف بها الأنواء من الصيف والشتاء لما يصلح الناس  في معايشهم هي التي يرمى بها فهو والله طي الدنيا وهلاك هذا الخلق الذي فيها وإن كانت نجوما غيرها وهي ثابتة على حالها فهذا لأمر أراد الله به هذا الخلق فما هو.
قال الإسماعيلي العظيم: يعقوب بن عتبة المتوفى عام ثمان وعشرين ومائة هجرية وثقه إبن معين حديثه عن كلام الكهان.
 الرسول يسأل الأنصارعن قولهم في رجم الجن بالشهب وتوضيحه للأمر
قال إبن إسحق: وذكر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن عبد الله بن العباس عن نفر من الأنصار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم ماذا كنتم تقولون في هذا النجم الذي يرمى به قالوا يا نبي الله كنا نقول حين رأيناها يرمى بها مات ملك مُلك ملك ولد مولود مات مولود فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس ذلك كذلك ولكن الله تبارك وتعالى كان إذا قضى في خلقه أمراً سمعه حملة العرش فسبحوا فسبح من تحتهم فسبح لتسبيحهم من تحت ذلك فلا يزال التسبيح يهبط حتى ينتهي إلى السماء الدنيا فيسبحوا ثم يقول بعضهم لبعض مم سبحتم فيقولون سبح من فوقنا فسبحنا لتسبيحهم فيقولون ألا تسألون من فوقكم مم سبحوا فيقولون مثل ذلك حتى ينتهوا إلى حملة العرش فيقال لهم مم سبحتم فيقولون قضى الله في خلقه كذا وكذا للأمر الذي كان فيهبط به الخبر من سماء إلى سماء حتى ينتهي إلى السماء الدنيا فيتحدثوا به فتسترقه الشياطين بالسمع على توهم وإختلاف ثم يأتوا به الكهان من أهل الأرض فيحدثوهم به فيخطئون ويصيبون فيتحدث به الكهان فيصيبون بعضاً ويخطئون بعضاً ثم إن الله عز وجل حجب الشياطين بهذه النجوم التي يقذفون بها فإنقطعت الكهانة اليوم فلا كهانة.
قال الإسماعيلي العظيم: السند صحيح ولكن فيه ذكر عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ولم يقل حدثني أي إنه سمع عن الزهري هذا الحديث.
قال إبن إسحق: وحدثني عمرو إبن أبي جعفر عن محمد بن عبد الرحمن إبن أبي لبيبة عن علي بن الحسين بن علي رضي الله عنه بمثل حديث إبن شهاب عنه.
قال الإسماعيلي العظيم: السند ضعيف فيه محمد بن عبد الرحمن إبن أبي لبيبة ضعيف لكن حديثه يرقى من طرق أخرى قال فيه يحيى بن معين حديثه ليس بشيء.
الغيطلة وصاحبها
قال إبن إسحق: وحدثني بعض أهل العلم إن إمرأة من بني سهم يقال لها الغيطلة كانت كاهنة في الجاهلية جاءها صاحبها ليلة من الليالي فإنقض تحتها ثم قال أدر ما أدر يوم عقر ونحر فقالت قريش حين بلغها ذلك ما يريد ثم جاءها ليلة أخرى فإنقض تحتها ثم قال شعوب ما شعوب تصرع فيه كعب لجوب فلما بلغ ذلك قريشاً قالوا ماذا يريد إن هذا لأمر هو كائن فإنظروا ما هو فما عرفوه حتى كانت وقعة بدر وأحد بالشعب فعرفوا أنه الذي كان جاء به إلى صاحبته.  
نسب الغيطلة
قال إبن هشام: الغيطلة من بني مرة بن عبد مناة بن كنانة إخوة مدلج بن مرة وهي أم الغياطل الذين ذكر أبو طالب في قوله:
لقد سفُهت أحلام قوم تبدلوا       بني خلف قيضاً بنا والغياطل
فقيل لولدها الغياطل وهم من بني سهم بن عمرو بن هصيص وهذا البيت في قصيدة له سأذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى.
 حديث كاهن جنب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 
قال إبن إسحق: وحدثني علي بن نافع الجرشي أن جنباً بطناً من اليمن كان لهم كاهن في الجاهلية فلما ذكر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنتشر في العرب قالت له جنب إنظر لنا في أمر هذا الرجل وإجتمعوا له في أسفل جبله فنزل عليهم حين طلعت الشمس فوقف لهم قائماً متكئاً على قوس له فرفع رأسه إلى السماء طويلاً ثم جعل ينزو ثم قال أيها الناس إن الله أكرم محمداً وإصطفاه وطهر قلبه وحشاه ومكثه فيكم أيها الناس قليل ثم أسند في جبله راجعاً من حيث جاء
قال الإسماعيلي العظيم: إبن هشام كعادته يتحدث عن القبائل المعدية التي في نجد والحجاز ويكذب ويقول إنها من اليمن ولا يتحدث عن الشعب اليماني الذي كان يقطن في اليمن أنذاك علي بن نافع الجرشي ثقة إبن صحابي قال إبن الأثير في أسد الغابة ذكره جعفر في الصحابة عن نافع الجرشي.  
 سواد بن قارب يحدث عمر بن الخطاب عن صاحبه من الجن
قال إبن إسحق: وحدثني من لا أتهم عن عبد الله بن كعب مولى عثمان بن عفان أنه حدث أن عمر بن الخطاب بينا هو جالس في الناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل من العرب داخلاً المسجد يريد عمر بن الخطاب فلما نظر إليه عمر رضي الله عنه قال إن هذا الرجل لعلى شركه ما فارقه بعد أو لقد كان كاهناً في الجاهلية فسلم عليه الرجل ثم جلس فقال له عمر رضي الله عنه هل أسلمت قال نعم يا أمير المؤمنين قال له فهل كنت كاهناً في الجاهلية فقال الرجل سبحان الله يا أمير المؤمنين لقد خلت في وإستقبلتني بأمر ما أراك قلته لأحد من رعيتك منذ وليت ما وليت فقال عمر اللهم غفراً قد كنا في الجاهلية على شر من هذا نعبد الأصنام ونعتنق الأوثان حتى أكرمنا الله برسوله وبالإسلام قال نعم والله يا أمير المؤمنين لقد كنت كاهناً في الجاهلية قال فأخبرني ما جاءك به صاحبك قال جاءني قبل الإسلام بشهر أو شيعه فقال ألم تر إلى الجن وإبلاسها وإياسها من دينها ولحوقها بالقلاص وأحلاسها.  
قال إبن هشام: هذا الكلام سجع وليس بشعر.
قال عبد الله بن كعب فقال عمر بن الخطاب عند ذلك يحدث الناس والله إني لعند وثن من أوثان الجاهلية في نفر من قريش قد ذبح له رجل من العرب عجلاً ، فنحن ننتظر قسمه ليقسم لنا منه إذ سمعت من جوف العجل صوتاً ما سمعت صوتاً قط أنفذ منه وذلك قبيل الإسلام بشهر أو شيعه يقول يا ذريح أمر نجيح رجل يصيح يقول لا إله إلا الله.
قال إبن هشام: ويقال رجل يصيح بلسان فصيح يقول لا إله إلا الله وأنشدني بعض أهل العلم بالشعر: 
عجبت للجن وإبلاسها         وشدها العيس بأحلاسها    
تهوي إلى مكة تبغي الهدى      ما مؤمنو الجن كأنجاسها
قال إبن إسحق: فهذا ما بلغنا من الكهان من العرب.
قال الإسماعيلي العظيم: السند صحيح فيه عبد الله بن كعب الحميري مولى عثمان بن عفان صدوق الكلام الأول سجع مثلما قال إبن هشام والشعر الذي قاله إبن هشام ليس شعراً أيضاً بل هو سجع وإن فيه صدر وعجز لا بأس به وأقرب الى هزج الإرتجاز.
إنذار يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم
اليهود لعنهم الله يعرفونه ويكفرون به
قال إبن إسحق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه قالوا إن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله تعالى وهداه لنا لما كنا نسمع من رجال يهود وكنا أهل شرك أصحاب أوثان وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم فكنا كثيراً ما نسمع ذلك منهم فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم أجبناه حين دعانا إلى الله تعالى وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا به ففينا وفيهم نزل هؤلاء الآيات من البقرة ( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين )
قال إبن هشام: يستفتحون يستنصرون ويستفتحون أيضاً يتحاكمون وفي كتاب الله تعالى ( ربنا إفتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ).
قال الإسماعيلي العظيم: السند صحيح فيه عاصم بن عمر بن قتادة ثقة توفي عام عشرين ومئة حفيد الصحابي قتادة بن النعمان بن زيد الأنصاري الظفري الأوسي أخ أبي سعيد الخدري لإمه فإذا كان أول السند ثقة فإنه يوثق ماقبله إلا المحدث فهذا أساس التصحيح عندي.
 حديث سلمة عن اليهودي الذي أنذر بالرسول صلى الله عليه وسلم
قال إبن إسحق: وحدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن محمود بن لبيد أخي بني عبد الأشهل عن سلمة بن سلامة بن وقش وكان سلمة من أصحاب بدر قال كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل قال فخرج علينا يوماً من بيته حتى وقف على بني عبد الأشهل قال سلمة وأنا يومئذ من أحدث من فيه سناً علي بردة لي مضطجع فيها بفناء أهلي فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار قال فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان لا يرون أن بعثاً كائن بعد الموت فقالوا له ويحك يا فلان أوترى هذا كائناً أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم قال نعم والذي يحلف به ولود أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدار يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطينونه عليه بأن ينجو من تلك النار غداً فقالوا له ويحك يا فلان فما آية ذلك قال نبي مبعوث من نحو هذه البلاد وأشار بيده إلى مكة واليمن فقالوا ومتى تراه قال فنظر إلي وأنا من أحدثهم سناً فقال إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه قال سلمة فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله محمداً رسوله صلى الله عليه وسلم وهو حي بين أظهرنا فآمنا به وكفر به بغياً وحسداً قال فقلنا له ويحك يا فلان ألست الذي قلت لنا فيه ما قلت قال بلى ولكن ليس به.
قال الإسماعيلي العظيم: السند صحيح فيه صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف توفي في خلافة هشام بن عبد الملك في ولاية إبراهيم بن هشام على المدينة ثقة حفيد الصحابي المشهور عبد الرحمن بن عوف وفيه محمود بن لبيد بن عقبة بن رافع أبو نعيم الأنصاري الأوسي الأشهلي المدني صحابي إبن صحابي ولد في حياة الرسول (ص) وفي أبيه نزلت رخصة في من لا يستطيع الصوم توفي محمود عام سبع وتسعين وقيل ست وتسعين هجرية وسطر وأشار بيده الى مكة واليمن فاليمن زيادة من إبن هشام والله أعلم.
إبن الهيبان اليهودي يتسبب في إسلام ثعلبة وأسيد إبني سعية وأسد بن عبيد
قال إبن إسحق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بني قريظة قال لي هل تدري عم كان إسلام ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد نفر من بني هدل إخوة بني قريظة كانوا معهم في جاهليتهم ثم كانوا سادتهم في الإسلام قال قلت لا والله قال فإن رجلاً من يهود من أهل الشام يقال له إبن الهيبان قدم علينا قبيل الإسلام بسنين فحل بين أظهرنا لا والله ما رأينا رجلاً قط لا يصلي الخمس أفضل منه فأقام عندنا فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له إخرج يا إبن الهيبان فإستسق لنا فيقول لا والله حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة فنقول له كم فيقول صاعاً من تمر أو مدين من شعير قال فنخرجها ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرتنا فيستسقي الله لنا فوالله ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ونسقى قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث قال ثم حضرته الوفاة عندنا فلما عرف أنه ميت قال يا معشر يهود ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع قال قلنا إنك أعلم قال فإني إنما قدمت هذه البلدة أتوكف خروج نبي قد أظل زمانه وهذه البلدة مهاجره فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه وقد أظلكم زمانه فلا تسبقن إليه يا معشر يهود فإنه يبعث بسفك الدماء وسبي الذراري والنساء ممن خالفه فلا يمنعكم ذلك منه فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاصر بني قريظة قال هؤلاء الفتية وكانوا شباباً أحداثاً يا بني قريظة والله إنه للنبي الذي كان عهد إليكم فيه إبن الهيبان قالوا ليس به قالوا بلى والله إنه لهو بصفته فنزلوا وأسلموا وأحرزوا دماءهم وأموالهم وأهليهم.
قال إبن إسحق: فهذا ما بلغنا عن أخبار يهود.
قال الإسماعيلي العظيم: السند صحيح فيه عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان بن زيد الأوسي الظفري الأنصاري ثقة حفيد صحابي توفي عام عشرين ومئة هجرية.
حديث إسلام سلمان الفارسي رضي الله عنه
سلمان رضي الله عنه يتشوف الى النصرانية بعد المجوسية
قال إبن إسحق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري عن محمود بن لبيد عن عبد الله بن عباس قال حدثني سلمان الفارسي وأنا أسمع من فيه قال كنت رجلاً فارسياً من أهل أصبهان من قرية يقال لها جي وكان أبي دهقان قريته وكنت أحب خلق الله إليه لم يزل به حبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية وإجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة قال وكانت لأبي ضيعة عظيمة فشغل في بنيان له يوماً فقال لي يا بني إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي فإذهب إليها فإطلعها وأمرني فيها ببعض ما يريد ثم قال لي ولا تحتبس عني فإنك إن إحتبست عني كنت أهم إلي من ضيعتي وشغلتني عن كل شيء من أمري قال فخرجت أريد ضيعته التي بعثني إليها فمررت بكنيسة من كنائس النصارى فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون وكنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيته فلما سمعت
أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم ورغبت في أمرهم وقلت هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه فوالله ما برحتهم حتى غربت الشمس وتركت ضيعة أبي فلم آتها ثم قلت لهم أين أصل هذا الدين قالوا بالشام فرجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته عن عمله كله فلما جئته قال أي بني أين كنت أولم أكن عهدت إليك ما عهدت قال قلت له يا أبت مررت بأناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس قال أي بني ليس في ذلك الدين خير دينك ودين آبائك خير منه قال قلت له كلا والله إنه لخير من ديننا قال فخافني فجعل في رجلي قيداً ثم حبسني في بيته.
 سلمان يهرب الى الشام
قال وبعثت إلى النصارى فقلت لهم إذا قدم عليكم ركب من الشام فأخبروني بهم قال فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النصارى فأخبروني بهم فقلت لهم إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فآذنوني بهم قال فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم فألقيت الحديد من رجلي ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام فلما قدمتها قلت من أفضل أهل هذا الدين علماً قالوا الأسقف في الكنيسة.
  سلمان مع أسقف النصارى السيئ
قال فجئته فقلت له إني قد رغبت في هذا الدين فأحببت أن أكون معك وأخدمك في كنيستك فأتعلم منك وأصلي معك قال إدخل فدخلت معه قال وكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها فإذا جمعوا إليه شيئاً منها إكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق قال فأبغضته بغضاً شديداً لما رأيته يصنع ثم مات فإجتمعت إليه النصارى ليدفنوه فقلت لهم إن هذا كان رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها فإذا جئتموه بها إكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئاً قال فقالوا لي وما علمك بذلك قال قلت لهم أنا أدلكم على كنزه قالوا فدلنا عليه قال فأريتهم موضعه فإستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهباً وورقاً قال فلما رأوها قالوا والله لا ندفنه أبداً قال فصلبوه ورجموه بالحجارة وجاءوا برجل آخر فجعلوه مكانه.
سلمان مع أسقف النصارى الصالح
قال يقول سلمان فما رأيت رجلاً لا يصلي الخمس أرى أنه كان أفضل منه وأزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ولا أدأب ليلاً ونهاراً منه قال فأحببته حباً لم أحبه شيئاً قبله مثله قال فأقمت معه زماناً طويلاً ثم حضرته الوفاة فقلت له يا فلان إني قد كنت معك وأحببتك حباً لم أحبه شيئاً قبلك وقد حضرك ما ترى من أمر الله تعالى فإلى من توصي بي وبم تأمرني قال أي بني والله ما أعلم اليوم أحداً على ما كنت عليه فقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلاً بالموصل وهو فلان وهو على ما كنت عليه فالحق به.  
سلمان يلحق بأسقف الموصل 
قال فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل فقلت له يا فلان إن فلاناً أوصاني عند موته أن ألحق بك وأخبرني أنك على أمره فقال لي أقم عندي فأقمت عنده فوجدته خير رجل على أمر صاحبه فلم يلبث أن مات فلما حضرته الوفاة قلت له يا فلان إن فلاناً أوصى بي إليك وأمرني باللحوق بك وقد حضرك من أمر الله ما ترى فإلى من توصي بي وبم تأمرني قال يا بني والله ما أعلم رجلاً على مثل ما كنا عليه إلا رجلاً بنصيبين وهو فلان فالحق به. 
 سلمان يلحق بأسقف نصيبين
فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين فأخبرته خبري وما أمرني به صاحبه فقال أقم عندي فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبيه فأقمت مع خير رجل فوالله ما لبث أن نزل به الموت فلما حضر قلت له يا فلان إن فلاناً كان أوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك قال فإلى من توصي بي وبم تأمرني قال يا بني والله ما أعلمه بقي أحد على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلاً بعمورية من أرض الروم فإنه على مثل ما نحن عليه فإن أحببت فأته فإنه على أمرنا.  سلمان يلحق بصاحب عمورية
فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية فأخبرته خبري فقال أقم عندي فأقمت عند خير رجل على هدى أصحابه وأمرهم قال وإكتسبت حتى كانت لي بقرات وغنيمة قال ثم نزل به أمر الله تعالى فلما حضر قلت له يا فلان إني كنت مع فلان فأوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك فإلى من توصي بي وبم تأمرني قال أي بني والله ما أعلمه أصبح اليوم أحد على مثل ما كنا عليه من الناس آمرك به أن تأتيه ولكنه قد أظل زمان نبي وهو مبعوث بدين إبراهيم عليه السلام يخرج بأرض العرب مهاجره إلى أرض بين حرتين بينهما نخل به علامات لا تخفى يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة وبين كتفيه خاتم النبوة فإن إستطعت أن تلحق بتلك البلاد فإفعل.
سلمان يذهب الى وادي القرى
قال ثم مات وغيب ومكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث ثم مر بي نفر من كلب تجار فقلت لهم إحملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه قالوا نعم فأعطيتهموها وحملوني معهم حتى إذا بلغوا وادي القرى ظلموني فباعوني من رجل يهودي عبداً فكنت عنده ورأيت النخل فرجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي ولم يحق في نفسي فبينا أنا عنده إذ قدم عليه إبن عم له من بني قريظة من المدينة فإبتاعني منه فإحتملني إلى المدينة فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي فأقمت بها وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق ثم هاجر إلى المدينة فوالله إني لفي رأس عذق لسيدي أعمل له فيه بعض العمل وسيدي جالس تحتي إذ أقبل إبن عم له حتى وقف عليه فقال يا فلان قاتل الله بني قيلة والله إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون أنه نبي.
 نسب قيلة
قال إبن هشام: قيلة بنت كاهل بن عذرة بن سعد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة أم الأوس والخزرج قال النعمان بن بشير الأنصاري يمدح الأوس والخزرج:
بهاليل من أولاد قيلة لم يجد       عليهم خليط في مخالطة عتبا    
مساميح أبطال يراحون للندى      يرون عليهم فعل آبائهم نحبا
وهذان البيتان في قصيدة له.
قال الإسماعيلي العظيم: السند صحيح الى إبن إسحق في قصة سلمان الفارسي ولكن السند من إبن إسحق الى إبن هشام مجهول والقصة فيها إضافات كثيرة لا يقبلها العقل, شعر النعمان بن بشير لا بأس به.
قال إبن إسحق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري عن محمود بن لبيد عن عبد الله بن عباس قال قال سلمان فلما سمعتها أخذتني العرواء.
قال إبن هشام: والعرواء الرعدة من البرد والإنتفاض فإن كان مع ذلك عرق فهي الرحضاء وكلاهما ممدود.
قال الإسماعيلي العظيم: ماذا يقصد بوكلاهما ممدود أليهوديان أم العرواء والرحضاء, العرواء على وزن فعلاء الريح الباردة والعروراء على وزن فعولاء الرعشة والقشعريرة من البرد أوالرعدة والإنتفاض من حمى العرواء.
حتى ظننت أني سأسقط على سيدي فنزلت عن النخلة فجعلت أقول لإبن عمه ذلك ماذا تقول فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة ثم قال ما لك ولهذا أقبل على عملك قال قلت لا شيء إنما أردت أن أستثبته عما قال.
حتى ظننت أني سأسقط على سيدي فنزلت عن النخلة فجعلت أقول لإبن عمه ذلك ماذا تقول فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة ثم قال ما لك ولهذا أقبل على عملك قال قلت لا شيء إنما أردت أن أستثبته عما قال.
 سلمان يستوثق من رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال وقد كان عندي شيء قد جمعته فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء فدخلت عليه فقلت له إنه قد بلغني أنك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة وهذا شيء قد كان عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم قال فقربته إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه كلوا وأمسك يده فلم يأكل قال فقلت في نفسي هذه واحدة قال ثم إنصرفت عنه فجمعت شيئاً وتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ثم جئته به فقلت له إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية أكرمتك بها قال فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وأمر أصحابه فأكلوا معه قال فقلت في نفسي هاتان ثنتان ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببقيع الغرقد قد تبع جنازة رجل من أصحابه وعلي شملتان لي وهو جالس في أصحابه فسلمت عليه ثم إستدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم إستدبرته عرف أني أستثبت في شيء وصف لي فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته فأكببت عليه أقبله وأبكي فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم تحول فتحولت فجلست بين يديه فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا إبن عباس فأعجب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يسمع ذلك أصحابه ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر وأحد.
قال الإسماعيلي العظيم: حديث سلمان الفارسي فيه إضاف وزيادة ليست من سلمان منها خاتم النبوة وهو خال أو شامة بارزة وكبيرة تظهر في كثير من أجساد الرجال والنساء ليس لها شأن بالنبوة وأي نبوة آيتها شامة والشملة عندنا في جنوب العراق شعب الهوسات الشعب المعدي هي عبائة الرجال وفي نجد يسمونها بشت ومثلها عندنا عبائة النساء والفرق أن النساء يضعنها على رؤسهن والرجال على أكتافهم ومنهم من يضعها على رأسه من الشمس والبرد أما الجبة ثياب طويلة لها أكمام واسعة ومفتوحة من الأمام ولا تكون واسعة والبردة مثل الجبة وتكون أقصر وأوسع دون الشملة وأغلظ وكانت البرد أحب الثياب الى رسول الله (ص).
سلمان يفتك نفسه من الرق بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومساعدته
قال سلمان ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتب يا سلمان فكاتبت صاحبي على ثلاث مائة نخلة أحييها له بالفقير وأربعين أوقية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه أعينوا أخاكم فأعانوني بالنخل الرجل بثلاثين ودية والرجل بعشرين ودية والرجل بخمس عشرة ودية والرجل بعشر يعين الرجل بقدر ما عنده حتى إجتمعت لي ثلاث مائة ودية فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذهب يا سلمان ففقر لها فإذا فرغت فأتني أكن أنا أضعها بيدي قال ففقرت وأعانني أصحابي حتى إذا فرغت جئته فأخبرته فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معي إليها فجعلنا نقرب إليه الودي ويضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده حتى فرغنا فوالذي نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة قال فأديت النخل وبقي علي المال فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم
بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المعادن فقال ما فعل الفارسي المكاتب قال فدعيت له فقال خذ هذه فأدها مما عليك يا سلمان قال قلت وأين تقع هذه يا رسول الله مما علي فقال خذها فإن الله سيؤدي بها عنك قال فأخذتها فوزنت لهم منها والذي نفس سلمان بيده أربعين أوقية فأوفيتهم حقهم منها وعتق سلمان فشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخندق حراً ثم لم يفتني معه مشهد.
قال إبن إسحق: وحدثني يزيد إبن أبي حبيب عن رجل من عبد القيس عن سلمان أنه قال لما قلت وأين تقع هذه من الذي علي يا رسول الله أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلبها على لسانه ثم قال خذها فأوفهم منها فأخذتها فأوفيتهم منها حقهم كله أربعين أوقية.
قال الإسماعيلي: السند صحيح فيه يزيد إبن أبي حبيب النوبي كان أبوه مولى شريك بن الطفيل الأزدي وقيل كان أبوه مولى إمراءة مولاة لبني حسل جارية لجارية هو ثقة ولكن السند مجهول بقوله عن رجل من بني عبد القيس قبيلة في نجد وما شأن نجد في مصر التي عاش فيها الراوي يزيد النوبي فالراوي المجهول لا يوثقه الراوي الثقة إلا إذا أفصح عنه ومتن الرواية منكر بقوله فقلبها على لسانه فالرواية منكرة عندي.
حديث سلمان مع الرجل الذي بعمورية
قال إبن إسحق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال حدثني من لا أتهم عن عمر بن عبد العزيز بن مروان قال حدثت عن سلمان الفارسي أنه قال حدثت عن سلمان الفارسي أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبره خبره إن صاحب عمورية قال له إئت كذا وكذا من أرض الشام فإن بها رجلاً بين غيضتين يخرج في كل سنة من هذه الغيضة إلى هذه الغيضة مستجيزاً يعترضه ذوو الأسقام فلا يدعو لأحد منهم إلا شفي فإسأله عن هذا الدين الذي تبتغي فهو يخبرك عنه قال سلمان فخرجت حتى أتيت حيث وصف لي فوجدت الناس قد إجتمعوا بمرضاهم هنالك حتى خرج لهم تلك الليلة مستجيزاً من إحدى الغيضتين إلى أخرى فغشيه الناس بمرضاهم لا يدعو لمريض إلا شفي وغلبوني عليه فلم أخلص إليه حتى دخل الغيضة التي يريد أن يدخل إلا منكبه قال فتناولته فقال من هذا وإلتفت إلي فقلت يرحمك الله أخبرني عن الحنيفية دين إبراهيم قال إنك لتسأل عن شيء ما يسأل عنه الناس اليوم قد أظلك زمان نبي يبعث بهذا الدين من أهل الحرم فأته فهو يحملك عليه قال ثم دخل قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسلمان لئن كنت صدقتني يا سلمان لقد لقيت عيسى إبن مريم على نبينا وعليه السلام.
قال الإسماعيلي العظيم: السند صحيح الى عمر بن عبد العزيز بن مروان ولكن في السند جهاله بقوله حُدثت عن سلمان الفارسي وكذلك الجهالة بين إبن إسحق وإبن هشام وكذلك نكارة متن الحديث.
ذكر ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى وعبيد الله بن جحش وعثمان بن الحويرث وزيد بن عمرو بن نفيل
تشككهم في الوثنية
قال إبن إسحق: وإجتمعت قريش يوماً في عيد لهم عند صنم من أصنامهم كانوا يعظمونه وينحرون له ويعكفون عنده ويديرون به وكان ذلك عيداً لهم في كل سنة يوماً فخلص منهم أربعة نفر نجياً ثم قال بعضهم لبعض تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض قالوا أجل وهم ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي وعبيد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة وكانت أمه أميمة بنت عبد المطلب وعثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى بن قصي وزيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن عبد الله بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي فقال بعضهم لبعض تعلموا والله ما قومكم على شيء لقد أخطئوا دين أبيهم إبراهيم ما حجر نطيف به لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع يا قوم إلتمسوا لأنفسكم دينا فإنكم والله ما أنتم على شيء فتفرقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم. 
تنصر ورقة وإبن جحش 
فأما ورقة بن نوفل فإستحكم في النصرانية وإتبع الكتب من أهلها حتى علم علماً من أهل الكتاب وأما عبيد الله بن جحش فأقام على ما هو عليه من الإلتباس حتى أسلم ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة ومعه إمرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان مسلمة فلما قدمها تنصر وفارق الإسلام حتى هلك هنالك نصرانياً.
قال الإسماعيلي العظيم: أما تنصر ورقة فلا برهان عليه وكيف لم يؤذى كما أوذي رسول الله (ص) ولكنهم كانوا ينكرون على العرب عبادة الحجارة وأوثانها.
 إبن جحش يغري مهاجري الحبشة على التنصر
قال إبن إسحق: فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال كان عبيد الله بن جحش حين تنصر يمر بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم هنالك من أرض الحبشة فيقول فقحنا وصأصأتم أي أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر ولم تبصروا بعد وذلك أن ولد الكلب إذا أراد أن يفتح عينيه لينظر صأصأ لينظر وقوله فقح فتح عينيه.
قال الإسماعيلي العظيم: السند صحيح فيه محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام.
 رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلف على  زوجة إبن جحش بعد وفاته 
قال إبن إسحق: وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على إمرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب. 
قال إبن إسحق: وحدثني محمد بن علي بن حسين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث فيها إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري فخطبها عليه النجاشي فزوجه إياها وأصدقها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مائة دينار فقال محمد بن علي ما نرى عبد الملك بن مروان وقف صداق النساء على أربع مائة دينار إلا عن ذلك وكان الذي أملكها النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن سعيد بن العاص.
قال الإسماعيلي العظيم: السند صحيح فيه محمد بن علي بن الحسين بن علي إبن أبي طالب (ع) ثقة ولكن السند بين إبن إسحق وإبن هشام مجهول.
 تنصر ابن الحويرث ، وذهابه إلى قيصر
قال إبن إسحق: وأما عثمان بن الحويرث فقدم على قيصر ملك الروم فتنصر وحسنت منزلته عنده.
قال إبن هشام: ولعثمان بن الحويرث عند قيصر حديث منعني من ذكره ما ذكرت في حديث حرب الفجار.
زيد يتوقف عن جميع الأديان
قال إبن إسحق: وأما زيد بن عمرو بن نفيل فوقف فلم يدخل في يهودية ولا نصرانية وفارق دين قومه فإعتزل الأوثان والميتة والدم والذبائح التي تذبح على الأوثان ونهى عن قتل الموءودة وقال أعبد رب إبراهيم وبادى قومه بعيب ما هم عليه.
قال إبن إسحق: وحدثني هشام بن عروة عن أبيه عن أمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل شيخاً كبيراً مسنداً ظهره إلى الكعبة وهو يقول يا معشر قريش والذي نفس زيد بن عمرو بيده ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري ثم يقول اللهم لو أني أعلم أي الوجوه أحب إليك عبدتك به ولكني لا أعلمه ثم يسجد على راحته.
قال الإسماعيلي العظيم: السند مُدّلس فيه هشام بن عروة بن الزبير بن العوام مدلس كان يقول حدثني أبي وهو لم يسمع من أبيه قال عنه إبن حجر العسقلاني مدلس. 
قال إبن إسحق : وحدثت أن إبنه سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعمر بن الخطاب وهو إبن عمه قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أتستغفر لزيد بن عمرو قال نعم فإنه يبعث أمة وحده.
شعر زيد في فراق الوثنية
وقال زيد بن عمرو بن نفيل في فراق دين قومه وما كان لقي منهم في ذلك:
أرباً واحداً أم ألف رب        أدين إذا تقسمت الأمور     
عزلت اللات والعزى جميعاً       كذلك يفعل الجلد الصبور     
فلا العزى أدين ولا إبنتيها      ولا صنمي بني عمرو أزور     
ولا هبلاً أدين وكان رباً     لنا في الدهر إذ حلمي يسير     
عجبت وفي الليالي معجبات       وفي الأيام يعرفها البصير     
بأن الله قد أفنى رجالاً       كثيراً كان شأنهم الفجور     
وأبقى آخرين ببر قوم      فيربل منهم الطفل الصغير      
وبينا المرء يفتر ثاب يوماً      كما يتروح الغصن المطير     
ولكن أعبد الرحمن ربي       ليغفر ذنبي الرب الغفور     
فتقوى الله ربكم إحفظوها      متى ما تحفظوها لا تبوروا     
ترى الأبرار دارهم جنان       وللكفار حامية سعير     
وخزي في الحياة وإن يموتوا        يلاقوا ما تضيق به الصدور
قال الإسماعيلي العظيم: الشعر لا بأس به.  
وقال زيد بن عمرو بن نفيل أيضاً. 
قال إبن هشام: هي لأمية إبن أبي الصلت في قصيدة له إلا البيتين الأولين والبيت الخامس وآخرها بيتاً وعجز البيت الأول عن غير إبن إسحاق:
إلى الله أهدي مدحتي وثنائيا      وقولاً رصيناً لا يني الدهر باقيا    
إلى الملك الأعلى الذي ليس فوقه      إله ولا رب يكون مدانيا    
ألا أيها الإنسان إياك والردى     فإنك لا تخفي من الله خافيا    
وإياك لا تجعل مع الله غيره       فإن سبيل الرشد أصبح باديا    
حنانيك إن الحن كانت رجاءهم      وأنت إلهي ربنا ورجائيا      
رضيت بك اللهم رباً فلن أرى      أدين إلهاً غيرك الله ثانيا    
أدين لرب يستجاب ولا أرى      أدين لمن لم يسمع الدهر داعيا    
وأنت الذي من فضل من ورحمة       بعثت إلى موسى رسولاً مناديا    
فقلت له يا اذهب وهارون فإدعوا     إلى الله فرعون الذي كان طاغيا    
وقولا له ءأنت سويت هذه      بلا وتد حتى إطمأنت كما هيا    
وقولا له ءأنت رفعت هذه      بلا عمد أرفق إذا بك بانيا    
وقولا له ءأنت سويت وسطها      منيراً إذا ما جنه الليل هاديا    
وقولا له من يرسل الشمس غدوة      فيصبح ما مست من الأرض ضاحيا    
وقولا له من ينبت الحب في الثرى     فيصبح منه البقل يهتز رابيا    
ويخرج منه حبه في رؤسه      وفي ذاك آيات لمن كان واعيا    
وأنت بفضل منك نجيت يونساً        وقد بات في أضعاف حوت لياليا    
وإني ولو سبحت بإسمك ربنا      لأكثر إلا ما غفرت خطائيا     
فرب العباد ألق سيباً ورحمة       علي وبارك في بني وماليا
قال الإسماعيلي العظيم: الشعر زين والأبيات الأخيرات من وأنت الذي من فضل من ورحمة الى وإني ولو سبحت بإسمك لا يرقى أن يكون شعراً جاهلياً.
وقال زيد بن عمرو يعاتب إمرأته صفية بنت الحضرمي.
نسب الحضرمي
قال إبن هشام: وأسم الحضرمي عبد الله بن عماد بن أكبر أحد الصدف وأسم الصدف عمرو بن مالك أحد السكون بن أشرس بن كندى ويقال كندة بن ثور بن مرتع بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن مهسع بن عمرو بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ ويقال مرتع بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ.
قال الإسماعيلي العظيم: سبحان الله وعجباً من إبن هشام كيف يكذب ويأتي بسند عربي ويلصقه بشعب سبئي أعجمي الحضرمي هي لباس كان يتلقب بها رجل قريشي يدعى الحضرمي وتنسب هذه الملابس الى حضرموت إما أنه كان يلبسها أو يتاجر بها غفر الله لك يبن هشام.
زيد يعاتب زوجته لمنعها له عن البحث في الحنفية
قال إبن إسحق: وكان زيد بن عمرو قد أجمع الخروج من مكة ليضرب في الأرض يطلب الحنيفية دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم فكانت صفية بنت الحضرمي كلما رأته قد تهيأ للخروج وأراده آذنت به الخطاب بن نفيل وكان الخطاب بن نفيل عمه وأخاه لأمه وكان يعاتبه على فراق دين قومه وكان الخطاب قد وكل صفية به وقال إذا رأيتيه قد هم بأمر فآذنيني به فقال زيد:
لا تحبسيني في الهوا        ن صفي ما دابي ودابه    
إني إذا خفت الهوا           ن مشيع ذلل ركابه    
دعموص أبواب الملو       ك وجائب للخرق نابه    
قطاع أسباب تذل           بغير أقران صعابه    
وإنما أخذ الهوا        ن العير إذ يوهى إهابه    
ويقول إني لا أذل       بصك جنبيه صلابه    
وأخي إبن أمي ثم        عمي لا يواتيني خطابه    
وإذا يعاتبني بسوء        قلت أعياني جوابه    
ولو أشاء لقلت ما        عندي مفاتحه وبابه
قال الإسماعيلي العظيم: قوله وكان الخطاب عمه وأخاه لأمه, عمه شقيق أبيه الخطاب وعمرو شقيقان وجده نفيل متزوج من أمه متزوج زوجه إبنه والله لا ندري الله أعلم هل كان العرب في الجاهلية الذين كانوا بتلك الأنفة يتزوجون زوجات أبنائهم, الشعر ركيك منحول فيه إقتباس من شعر المعلقات.
شعر زيد حين كان يستقبل الكعبة
قال إبن إسحاق: وحدثت عن بعض أهل زيد بن عمرو بن نفيل أن زيداً كان إذا إستقبل الكعبة داخل المسجد قال لبيك حقاً حقاً تعبداً ورقاً:
عذت بما عاذ به إبراهم       مستقبل القبلة وهو قائم 
إذ قال أنفي لك اللهم عان راغم       مهما تجشمني فإني جاشم
البر أبغي لا الخال ليس مهجر كمن قال.
قال الإسماعيلي العظيم: التلبية ورث من تعبد النبي إبراهيم وإبنه النبي إسماعيل ومن بقايا دين إبراهيم وإسماعيل الشعر زين وقد يكون نقل ألينا بنظم آخر وقوله البر أبغي لا الخال ليس مهجر كمن قال يقول الخير أريد لا الخيلاء وليس المهجر مثل القيلة النوم.
قال إبن هشام: ويقال البر أبقى لا الخال ليس مهجر كمن قال قال وقوله مستقبل الكعبة عن بعض أهل العلم.
قال إبن إسحاق: وقال زيد بن عمرو بن نفيل:
وأسلمت وجهي لمن أسلمت     له الأرض تحمل صخراً ثقالا
دحاها فلما رآها إستوت     على الماء أرسى عليها الجبالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت     له المزن تحمل عذباً زلالا
إذا هي سيقت إلى بلدة     أطاعت فصبت عليها سجالا
قال الإسماعيلي العظيم: الشعر لا بأس به ولكنه مقتبس من القرآن كإستوت على الماء وأرسى جبالاً وسيقت الى بلدة. 
الخطاب يؤذي زيداً ويحاصره
وكان الخطاب قد آذى زيداً حتى أخرجه إلى أعلى مكة فنزل حراء مقابل مكة ووكل به الخطاب شباباً من شباب قريش وسفهاء من سفهائها فقال لهم لا تتركوه يدخل مكة فكان لا يدخلها إلا سراً منهم فإذا علموا بذلك آذنوا به الخطاب فأخرجوه وآذوه كراهية أن يفسد عليهم دينهم وأن يتابعه أحد منهم على فراقه فقال وهو يعظم حرمته على من إستحل منه ما إستحل من قومه:
لا هم إني محرم لا حله        وإن بيتي أوسط المحله
عند الصفا ليس بذي مضله
قال الإسماعيلي العظيم: الشعر إرتجاز هزج لا بأس به.
ثم خرج يطلب دين إبراهيم عليه السلام ويسأل الرهبان والأحبار حتى بلغ الموصل والجزيرة كلها ثم أقبل فجال الشام كله حتى إنتهى إلى راهب بميفعة من أرض البلقاء كان ينتهي إليه علم أهل النصرانية فيما يزعمون فسأله عن الحنيفية دين إبراهيم فقال إنك لتطلب ديناً ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم ولكن قد أظل زمان نبي يخرج من بلادك التي خرجت منها يبعث بدين إبراهيم الحنيفية فالحق بها فإنه مبعوث الآن هذا زمانه وقد كان شام اليهودية والنصرانية فلم يرض شيئاً منهما فخرج سريعاً حين قال له ذلك الراهب ما قال يريد مكة حتى إذا توسط بلاد لخم عدوا عليه فقتلوه.
 رثاء ورقة لزيد:
فقال ورقة بن نوفل بن أسد يبكيه
رشدت وأنعمت إبن عمرو وإنما       تجنبت تنوراً من النار حاميا    
بدينك رباً ليس ربٌ كمثله      وتركك أوثان الطواغي كما هيا    
وإدراكك الدين الذي قد طلبته       ولم تك عن توحيد ربك ساهيا    
فأصبحت في دار كريم مقامها       تعلل فيها بالكرامة لاهيا    
تلاقي خليل الله فيها ولم تكن      من الناس جباراً إلى النار هاويا    
وقد تدرك الإنسان رحمة ربه        ولو كان تحت الأرض سبعين واديا
قال إبن هشام: يروى لأمية إبن أبي الصلت البيتان الأولان منها وآخرها بيتاً في قصيدة له وقوله أوثان الطواغي عن غير إبن إسحق.
قال الإسماعيلي العظيم: الشعر زين ولكنه قد لا يكون شعر ورقة بن نوفل لفيه إقتباس قرآني قد يكون شعراً في رثاء صحابي.
صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإنجيل 
يحنس الحواري يثبت بعثة الرسول الله صلى الله عليه وسلم
قال إبن إسحق: وقد كان فيما بلغني عما كان وضع عيسى إبن مريم فيما جاءه من الله في الإنجيل لأهل الإنجيل من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أثبت يحنس الحواري لهم حين نسخ لهم الإنجيل عن عهد عيسى إبن مريم عليه السلام في رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم أنه قال من أبغضني فقد أبغض الرب ولولا أني صنعت بحضرتهم صنائع لم يصنعها أحد قبلي ما كانت لهم خطيئة ولكن من الآن بطروا وظنوا أنهم يعزونني وأيضاً للرب ولكن لا بد من أن تتم الكلمة التي في الناموس أنهم أبغضوني مجاناً أي باطلاً فلو قد جاء المنحمنا هذا الذي يرسله الله إليكم من عند الرب وروح القدس هذا الذي من عند الرب خرج فهو شهيدٌ علي وأنتم أيضاً لأنكم قديماً كنتم معي في هذا قلت لكم لكيما لا تشكوا.
والمنحمنا بالسريانية محمد وهو بالرومية البرقليطس صلى الله عليه وآله وسلم.
قال الإسماعيلي العظيم: هناك إشاراتٌ كثيرةٌ في الأنجيل والتوراة الى صفة رسول الله المعدي محمد (ص) والمنحمنا بالسريانية محمد فاللغة السريانية قريبة من اللغة العربية فالشام كان فيها شعب السريان على عهد النبي إبراهيم عليه السلام لوجود قرى كثيرة من السريان في قولة تعالى في سورة يوسف الآية (82) ( وأسئل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون ) وأبناء النبي إسماعيل والنبي إسحق إبنا النبي إبراهيم عليهم السلام معدودون قليل فلا بد أن يكتسبوا لغات من الشعب الذي يتعايشون في أرضه وأن لم يكن عندي برهان بذلك ولا أميل الى هذا الرأي. 
مبعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما
قال إبن إسحق: فلما بلغ محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين سنة بعثه الله تعالى رحمة للعالمين وكافة للناس بشيراً وكان الله تبارك وتعالى قد أخذ الميثاق على كل نبي بعثه قبله بالإيمان به والتصديق له والنصر له على من خالفه وأخذ عليهم أن يؤدوا ذلك إلى كل من آمن بهم وصدقهم فأدوا من ذلك ما كان عليهم من الحق فيه يقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري أي ثقل ما حملتكم من عهدي قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين فأخذ الله ميثاق النبيين جميعاً بالتصديق له والنصر له ممن خالفه وأدوا ذلك إلى من آمن بهم وصدقهم من أهل هذين الكتابين.
  الرؤيا الصادقة أول ما بُدئ به الرسول صلى الله عليه وسلم
قال إبن إسحق: فذكر الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها أنها حدثته أن أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة حين أراد الله كرامته ورحمة العباد به الرؤيا الصادقة لا يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا في نومه إلا جاءت كفلق الصبح قالت وحبب الله تعالى إليه الخلوة فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلوا وحده أول ما بدئ به الرسول صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصادقة.
قال الإسماعيلي العظيم: السند صحيح والمتن صحيح.
قال إبن إسحق: فذكر الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها أنها حدثته أن أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة حين أراد الله كرامته ورحمة العباد به الرؤيا الصادقة لا يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا في نومه إلا جاءت كفلق الصبح قالت وحبب الله تعالى إليه الخلوة فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده.
قال الإسماعيلي العظيم: السند والمتن صحيحان.


تسليم الحجر والشجر عليه صلى الله عليه وسلم
قال إبن إسحق: وحدثني عبد الملك بن عبيد الله إبن أبي سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي وكان واعية عن أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراده الله بكرامته وإبتدأه بالنبوة كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى تحسر عنه البيوت ويفضي إلى شعاب مكة وبطون أوديتها فلا يمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر ولا شجر إلا قال السلام عليك يا رسول الله قال فيلتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم حوله وعن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى إلا الشجر والحجارة فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك يرى ويسمع ما شاء الله أن يمكث ثم جاءه جبريل عليه السلام بما جاءه من كرامة الله ، وهو بحراء في شهر رمضان.
قال الإسماعيلي العظيم: السند صحيح فيه عبد الملك بن عبيد الله الثقفي ثقة ذكر في الثقاة وقوله وكان واعية وعن أهل العلم لا تعني إنقطاع الحديث أو رفعه ويحمل الحديث على أهل العلم وقد روي من طرق كثيرة.
  نزول جبريل على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم
قال إبن إسحق: وحدثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير قال سمعت عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي حدثنا يا عبيد كيف كان بدء ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة حين جاءه جبريل عليه السلام قال فقال عبيد وأنا حاضر يحدث عبد الله بن الزبير ومن عنده من الناس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في حراء من كل سنة شهراً وكان ذلك مما تحنث به قريش في الجاهلية والتحنث التبرز.
 قال إبن إسحق: وقال أبو طالب:
وثور ومن أرسى ثبيراً مكانه      وراق ليرقى في حراء ونازل
قال الإسماعيلي العظيم: السند صحيح فيه وهب بن كيسان الفقيه أبو نعيم الأسدي المدني المؤدب من موالي آل الزبير بن العوام رأى كثير من الصحابة توفي عام سبع وعشرين ومائة الشعر لأبي طالب.
 التحنث والتحنف
قال إبن هشام: تقول العرب التحنث والتحنف يريدون الحنفية فيبدلون الفاء من الثاء كما قالوا جدث وجدف يريدون القبر قال رؤبة بن العجاج:
لو كان أحجاري مع الأجداف
يريد الأجداث وهذا البيت في أرجوزة له وبيت أبي طالب في قصيدة له سأذكرها إن شاء الله في موضعها.
قال الإسماعيلي العظيم: قد يكون التحنث هو التحنف وهو دين أبوانا النبي إبراهيم والنبي إسماعيل عليهما السلام وإن كنت أرى الأختلاف بين التحنث والتحنف.
قال إبن هشام: وحدثني أبو عبيدة أن العرب تقول فم في موضع ثم يبدلون الفاء من الثاء.
قال الإسماعيلي العظيم: العرب لا تبدل الفاء من الثاء في كلمة فم في موضع وثم في جوار وقرب كأن يقول العرب فم الوادي وفم الجبل وهو مكان أو موضع وثم جوار وقرب لقوله تعالى في سورة القرة الآية (115) ( وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ).
قال إبن إسحق: وحدثني وهب بن كيسان قال قال عبيد فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور ذلك الشهر من كل سنة يطعم من جاءه من المساكين فإذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا إنصرف من جواره الكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعاً
أو ما شاء الله من ذلك ثم يرجع إلى بيته حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله تعالى به فيه ما أراد من كرامته من السنة التي بعث الله تعالى فيها وذلك الشهر شهر رمضان خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حراء كما كان يخرج لجواره ومعه أهله حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد بها جاءه جبريل عليه السلام بأمر الله تعالى.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال إقرأ قال قلت ما أقرأ قال فغتني به حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال إقرأ قال قلت ما أقرأ قال فغتني به حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال إقرأ قال قلت ماذا أقرأ قال فغتني به حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال إقرأ قال فقلت ماذا أقرأ ما أقول ذلك إلا إفتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي فقال إقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم قال فقرأتها ثم إنتهى فإنصرف عني وهببت من نومي فكأنما كتبت في قلبي كتاباً قال فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتاً من السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل قال فرفعت رأسي إلى السماء أنظر فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل قال فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء قال فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك فما زلت واقفاً ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي فبلغوا أعلى مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك ثم إنصرف عني.
قال الإسماعيلي العظيم: السند صحيح كما قلنا آنفاً فالله تعالى خاطب رسول الله محمد (ص) وهو نائم مزمل ومدثر لقوله تعالى في سورة المزمل (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِّصْفَهُ أَوِ إنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ). وسورة المدثر (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)).
الرسول صلى الله عليه وسلم يخبر خديجة بنزول جبريل عليه
وإنصرفت راجعاً إلى أهلي حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفاً إليها فقالت يا أبا القاسم أين كنت فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا لي ثم حدثتها بالذي رأيت فقالت أبشر يا إبن عم وإثبت فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجوا أن تكون نبي هذه الأمة.
قال الإسماعيلي العظيم: الحديث الى هنا صحيح وقوله (ص) فجلست الى فخذها وليس على فخذها قد يكون الإتكاء ورسول الله محمد المعدي الإسماعيلي (ص) جالس مُتكأ وهي جالسة وليس كمثلي جلوس الطفل في حجر إمه. 

خديجة تخبر ورقة بن نوفل
ثم قامت فجمعت عليها ثيابها ثم إنطلقت إلى ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي وهو إبن عمها وكان ورقة قد تنصر وقرأ الكتب وسمع من أهل التوراة والإنجيل فأخبرته بما أخبرها به رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى وسمع فقال ورقة بن نوفل قدوس قدوس والذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتيني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى وإنه لنبي هذه الأمة فقولي له فليثبت فرجعت خديجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقول ورقة بن نوفل فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره وإنصرف صنع كما كان يصنع بدأ بالكعبة فطاف بها فلقيه ورقة بن نوفل وهو يطوف بالكعبة فقال يا إبن أخي أخبرني بما رأيت وسمعت فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ورقة والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصراً يعلمه ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه ثم إنصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله.
قال الإسماعيلي العظيم: هنا إختلف الحديث فالراوي هو الذي يتحدث عن رسول الله محمد (ص) فلا أساس للحديث بقوله ثم قامت الى الى منزله.
تثبت خديجة من الوحي
قال إبن إسحق: وحدثني إسماعيل إبن أبي حكيم مولى آل الزبير أنه حدث عن خديجة رضي الله عنها أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي إبن عم أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك قال نعم قالت فإذا جاءك فأخبرني به فجاءه جبريل عليه السلام كما كان يصنع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخديجة يا خديجة هذا جبريل قد جاءني قالت قم يا إبن عم فإجلس على فخذي اليسرى قال فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس عليها قالت هل تراه قال نعم قالت فتحول فإجلس على فخذي اليمنى قالت فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس على فخذها اليمنى فقالت هل تراه قال نعم قالت فتحول فإجلس في حجري قالت فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس في حجرها قالت هل تراه قال نعم قال فتحسرت وألقت خمارها ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في حجرها ثم قالت له هل تراه قال لا قالت يا إبن عم إثبت وأبشر فوالله إنه لملك وما هذا بشيطان.
قال الإسماعيلي العظيم: السند صحيح فيه إسماعيل إبن أبي حكيم المتوفى عام ثلاثين ومائة هجرية مولى عثمان بن عفان وقيل مولى لبني عدي بن نوفل وقيل مولى الزبير بن العوام عن يحيى بن معين قال إسماعيل إبن أبي حكيم يقال مولى الزبير وهو مولى أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص تزوجها الزبير وكان معهم فقيل مولى الزبير يعني أبا حكيم هو ثقة ومعنى الحديث أن رسول الله محمد (ص) إتكأ على فخذ أمنا خديجة رضي الله عنها ولم يرحل جبريل وحين كشفت رأسها عن خمارها رحل جبريل والحديث عن خديجة قبل الهجرة فهو حديث المسلمين وقصصهم في مكة فالحديث روي فيما بينهم وروي إلينا فيحدث فيه الإختلاف.
قال إبن إسحق: وقد حدثت عبد الله بن حسن هذا الحديث فقال قد سمعت أمي فاطمة بنت حسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة إلا أني سمعتها تقول أدخلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها وبين درعها فذهب عند ذلك جبريل  فقالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن هذا لملك وما هو بشيطان. 
قال الإسماعيلي العظيم: هذا هو الإختلاف الذي عنيت أي يروى مختلفاً لأن القصة قبل الهجرة. 
إبتداء تنزيل القرآن 
قال إبن إسحق: فإبتدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتنزيل في شهر رمضان بقول الله عز وجل: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان. وقال الله تعالى: إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر. وقال الله تعالى: حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمراً من عندنا إنا كنا مرسلين. وقال تعالى: إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان. وذلك ملتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين ببدر.
تاريخ وقعة بدر
قال إبن إسحق: وحدثني أبو جعفر محمد بن علي بن حسين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلتقى هو والمشركون ببدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من رمضان.
قال الإسماعيلي العظيم: السند صحيح فيه محمد بن علي بن حسين بن علي إبن أبي طالب ثقة.
قال إبن إسحق: ثم تتام الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مؤمن بالله مصدق بما جاءه منه قد قبله بقبوله وتحمل منه ما حمله على رضا العباد وسخطهم والنبوة أثقال ومؤنة لا يحملها ولا يستطيع بها إلا أهل القوة والعزم من الرسل بعون الله تعالى وتوفيقه لما يلقون من الناس وما يرد عليهم مما جاءوا به عن الله سبحانه وتعالى قال فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله على ما يلقى من قومه من الخلاف والأذى. 
إسلام خديجة بنت خويلد
وقوفها بجانبه صلى الله عليه وسلم
وآمنت به خديجة بنت خويلد وصدقت بما جاءه من الله ووازرته على أمره وكانت أول من آمن بالله وبرسوله وصدق بما جاء منه فخفف الله بذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم لا يسمع شيئاً مما يكرهه من رد عليه وتكذيب له فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها تثبته وتخفف عليه وتصدقه وتهون عليه أمر الناس رحمها الله تعالى.
تبشير الرسول لخديجة ببيت من قصب
قال إبن إسحق: وحدثني هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أبشر خديجة ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب.
قال الإسماعيلي العظيم: السند فيه هشام وهو مدلس ولكن الحديث يصح إذا روي من طريق أخر ولكن أحاديث هشام كلها صحيحة إذا لم تكن منكرة المتن.
قال إبن هشام: القصب ههنا اللؤلؤ المجوف.
جبريل يقرئ خديجة السلام
قال إبن هشام: وحدثني من أثق به أن جبريل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال أقرئ خديجة السلام من ربها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا خديجة هذا جبريل يقرئك السلام من ربك فقالت خديجة الله السلام ومنه السلام وعلى جبريل السلام.
قال الإسماعيلي العظيم: الحديث صحيح والسند مجهول فيه إبن هشام نفسه وهو كذاب مجهول ولأنه يروي كتاب السيرة فيكون كتاب السيرة كله كذب فلا بد لنا من توثيقه ونفي الكذب عنه لجهله فترجمة إبن هشام ثقة جاهل العقل يقتبس من كتب أهل الكتاب في النسب فقط فيقع في الكذب. 
فترة الوحي ونزول سورة الضحى
قال إبن إسحق: ثم فتر الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فترة من ذلك حتى شق ذلك عليه فأحزنه فجاءه جبريل بسورة الضحى يقسم له ربه وهو الذي أكرمه بما أكرمه به ما ودعه وما قلاه فقال تعالى: والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى يقول ما صرمك فتركك وما أبغضك منذ أحبك وللآخرة خير لك من الأولى أي لما عندي من مرجعك إلي خير لك مما عجلت لك من الكرامة في الدنيا ولسوف يعطيك ربك فترضى من الفلج في الدنيا والثواب في الآخرة ألم يجدك يتيماً فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلاً فأغنى يعرفه الله ما إبتدأه به من كرامته في عاجل أمره ومنه عليه في يتمه وعيلته وضلالته وإستنقاذه من ذلك كله برحمته.
قال الإسماعيلي العظيم: فترة نزول الوحي على رسول الله المعدي الإسماعيلي محمد (ص) جعلته يحزن ويتخبط بين الوديان ورؤس الجبال وكاد يتردى من شدة حزنه وتخبطه والتخبط هاهنا الإضطراب والتردي ليس الإنتحار أو إلقاء النفس من أعلى الجبال بل الحزن والتخبط بغير إيرادته لشدة حزنه وإضطرابه (ص). 
تفسير إبن هشام لمفردات سورة الضحى
قال إبن هشام: سجى سكن قال أمية بن أبي الصلت الثقفي:
إذ أتى موهناً وقد نام صحبي      وسجا الليل بالظلام البهيم
وهذا البيت في قصيدة له ويقال للعين إذا سكن طرفها ساجية وسجا طرفها قال جرير بن الخطفى :
ولقد رمينك حين رحن بأعينٍ     يقتلن من خلل الستور سواجي
وهذا البيت في قصيدة له والعائل الفقير قال أبو خراش الهذلي:
إلى بيته يأوي الضريك إذا شتا     ومستنبح بالي الدريسين عائل
وجمعه عالة وعيل وهذا البيت في قصيدة له سأذكرها في موضعها إن شاء الله والعائل أيضاً الذي يعول العيال والعائل أيضاً الخائف وفي كتاب الله تعالى: ذلك أدنى ألا تعولوا وقال أبو طالب:
بميزان قسط لا يخس شعيرة     له شاهد من نفسه غير عائل
وهذا البيت في قصيدة له سأذكرها إن شاء الله في موضعها والعائل أيضاً الشيء المثقل المعي يقول الرجل قد عالني هذا الأمر أي أثقلني وأعياني قال الفرزدق:
ترى الغر الجحاجح من قريش     إذا ما الأمر في الحدثان عالا
وهذا البيت في قصيدة له. فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر. أي لا تكن جباراً ولا متكبراً ولا فحاشاً فظاً على الضعفاء من عباد الله. وأما بنعمة ربك فحدث. أي بما جاءك من الله من نعمته وكرامته من النبوة فحدث أي إذكرها وإدع إليها فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ما أنعم الله به عليه وعلى العباد به من النبوة سراً إلى من يطمئن إليه من أهله.
قال الإسماعيلي العظيم: سجا فعل وكذا أسم شعر أمية إبن أبي الصلت زين والشعر لجرير بن الخطفى وشعر أبي خراش الهذلي زين والدريسين المضمحل الدارس والشعر لأبي طالب وقوله لا يخس لا ينقص والشعر للفرزدق وفي الآية الكريمة: أما السائل فلا تنهر. السائل هاهنا الفقير والمسكين الذي يسأل الناس المعونة وكذا صاحب السؤال.
إبتداء فرض الصلاة
وإفترضت الصلاة عليه فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله والسلام عليه وعليهم ورحمة الله وبركاته.
إفترضت الصلاة ركعتين ركعتين ثم زيدت
قال إبن إسحق: وحدثني صالح بن كيسان عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت إفترضت الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما إفترضت عليه ركعتين ركعتين كل صلاة ثم إن الله تعالى أتمها في الحضر أربعاً وأقرها في السفر على فرضها الأول ركعتين.
قال الإسماعيلي العظيم: السند صحيح فيه صالح بن كيسان المتوفى عام مئة وأربعين ونيف عاش مئة عام مولى بني غفار ويقال مولى بني عامر ويقال مولى آل معيقيب الدوسي رأى عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وثقه جميع العلماء وهو مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز.
تعليم جبريل الرسول صلى الله عليه وسلم الوضوء والصلاة 
قال إبن إسحق: وحدثني بعض أهل العلم أن الصلاة حين إفترضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو بأعلى مكة فهمز له بعقبه في ناحية الوادي فإنفجرت منه عين فتوضأ جبريل عليه السلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه ليريه كيف الطهور
للصلاة ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رأى جبريل توضأ ثم قام به جبريل فصلى به وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاته ثم إنصرف جبريل عليه السلام.
الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم خديجة الوضوء والصلاة
فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة فتوضأ لها ليريها كيف الطهور للصلاة كما أراه جبريل فتوضأت كما توضأ لها رسول الله عليه الصلاة والسلام ثم صلى بها رسول الله عليه الصلاة والسلام كما صلى به جبريل فصلت بصلاته.
 جبريل يعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم أوقات الصلاة
قال إبن إسحق: وحدثني عتبة بن مسلم مولى بني تميم عن نافع بن جبير بن مطعم وكان نافع كثير الرواية عن إبن عباس قال لما إفترضت الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام فصلى به الظهر حين مالت الشمس ثم صلى به العصر حين كان ظله مثله ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس ثم صلى به العشاء الآخرة حين ذهب الشفق ثم صلى به الصبح حين طلع الفجر ثم جاءه فصلى به الظهر من غد حين كان ظله مثله ثم صلى به العصر حين كان ظله مثليه ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس لوقتها بالأمس ثم صلى به العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل الأول ثم صلى به الصبح مسفراً غير مشرق ثم قال يا محمد الصلاة فيما بين صلاتك اليوم وصلاتك بالأمس. 
قال الإسماعيلي العظيم: السند صحيح فيه عتبة إبن أبي عتبة مولى بني تميم ذكره إبن حبان في الثقات ونافع بن جبير بن مطعم ثقة.
ذكر أن علي إبن أبي طالب رضي الله عنه أول ذكر أسلم
قال إبن إسحق: ثم كان أول ذكر من الناس آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى معه وصدق بما جاءه من الله تعالى علي إبن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم رضوان الله وسلامه عليه وهو يومئذ إبن عشر سنين. 
قال الإسماعيلي العظيم: وروي إنه كان يومئذ إبن ثمان سنين وهذا هو الأصح عندي.
نعمة الله على علي بنشأته في كنف الرسول
وكان مما أنعم الله به على علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الإسلام.
قال إبن إسحق: وحدثني عبد الله إبن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر أبي الحجاج قال كان من نعمة الله على علي إبن أبي طالب ومما صنع الله له وأراده به من الخير أن قريشاً أصابتهم أزمة شديدة وكان أبو طالب ذا عيال كثير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس عمه وكان من أيسر بني هاشم يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة فإنطلق بنا إليه فلنخفف عنه من عياله آخذ من بنيه رجلاً وتأخذ أنت رجلاً فنكلهما عنه فقال العباس نعم فإنطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا له إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه فقال لهما أبو طالب إذا تركتما لي عقيلاً فإصنعا ما شئتما.
قال الإسماعيلي العظيم: السند صحيح فيه عبد الله إبن أبي نجيح المتوفى عام إحدى وثلاثين ومائة هجرية مولى الأخنس بن شريق الثقفي الصحابي ثقة قال البخاري وغيره كان يتهم بالإعتزال والقدر وفيه مجاهد بن جبر أبو الحجاج شيخ القراء والمفسرين مولى السائب إبن أبي السائب المخزومي ويقال مولى عبد الله بن السائب القارئ ويقال مولى قيس بن الحارث المخزومي الرواة جميعهم عجم موالي العرب يتخذون ألقابهم قال الأعمش كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب وثقه جميع الأئمة توفي عام أربع ومائة هجرية.

قال إبن هشام: ويقال عقيلاً وطالباً فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً فضمه إليه وأخذ العباس جعفراً فضمه إليه فلم يزل علي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله تبارك وتعالى نبياً فإتبعه علي رضي الله عنه وآمن به وصدقه ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم وإستغنى عنه.
خروج علي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شعاب مكة يصليان ووقوف أبي طالب على أمرهما
قال إبن إسحق: وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفياً من أبيه أبي طالب ومن جميع أعمامه وسائر قومه فيصليان الصلوات فيها فإذا أمسيا رجعا فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوماً وهما يصليان فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا إبن أخي ما هذا الدين الذي أراك تدين به قال أي عم هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا إبراهيم أو كما قال صلى الله عليه وسلم بعثني الله به رسولاً إلى العباد وأنت أي عم أحق من بذلت له النصيحة ودعوته إلى الهدى وأحق من أجابني إليه وأعانني عليه أو كما قال فقال أبو طالب أي إبن أخي إني لا أستطيع أن أفارق دين آبائي وما كانوا عليه ولكن والله لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما بقيت وذكروا أنه قال لعلي أي بني ما هذا الدين الذي أنت عليه فقال يا أبت آمنت بالله وبرسول الله وصدقته بما جاء به وصليت معه لله وإتبعته فزعموا أنه قال له أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فإلزمه. 
إسلام زيد بن حارثة ثانياً
قال إبن إسحق: ثم أسلم زيد بن حارثة بن شرحبيل بن كعب بن عبد العزى بن إمرئ القيس الكلبي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أول ذكر أسلم وصلى بعد علي بن أبي طالب.  
نسبه وسبب تبني رسول الله صلى الله عليه وسلم له
قال إبن هشام: زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن إمرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة وكان حكيم بن حزام بن خويلد قدم من الشام برقيق فيهم زيد بن حارثة وصيف فدخلت عليه عمته خديجة بنت خويلد وهي يومئذ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها إختاري يا عمة أي هؤلاء الغلمان شئت فهو لك فإختارت زيداً فأخذته فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها ، فإستوهبه منها فوهبته له فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبناه وذلك قبل أن يوحى إليه.
شعر حارثة حين فقد إبنه زيداً وقدومه على الرسول صلى الله عليه وسلم يسأله رده عليه وكان أبوه حارثة قد جزع عليه جزعاً شديداً وبكى عليه حين فقده فقال:
بكيت على زيد ولم أدر ما فعل        أحي فيرجى أم أتى دونه الأجل    
فوالله ما أدري وإني لسائل       أغالك بعدي السهل أم غالك الجبل    
ويا ليت شعري هل لك الدهر أوبة       فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل    
تذكرنيه الشمس عند طلوعها       وتعرض ذكراه إذا غربها أفل    
وإن هبت الأرواح هيجن ذكره        فيا طول ما حزني عليه وما وجل    
سأعمل نص العيس في الأرض جاهداً       ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل    
حياتي أو تأتي علي منيتي           فكل إمرئ فان وإن غره الأمل
ثم قدم عليه وهو عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شئت فأقم عندي وإن شئت فإنطلق مع أبيك فقال بل أقيم عندك فلم يزل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله فصدقه وأسلم وصلى معه فلما أنزل الله عز وجل: ادعوهم لآبائهم. قال أنا زيد بن حارثة.
قال الإسماعيلي العظيم: الشعر لا بأس به ولكنه لا يرقى أن يكون شعراً جاهلياً وأن الشعر روي ونقل ألينا عن طريق العجم الموالي فنقلوه بركاكة أو أن يكون منحول ومصطنع.
إسلام أبي بكر الصديق رضي الله عنه وشأنه
نسبه
قال إبن إسحق: ثم أسلم أبو بكر إبن أبي قحافة وإسمه عتيق وأسم أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر. 
قال إبن هشام: وأسم أبي بكر عبد الله وعتيق لقب لحسن وجهه وعتقه.
إسلامه 
قال إبن إسحق: فلما أسلم أبو بكر رضي الله عنه أظهر إسلامه ودعا إلى الله وإلى رسوله.
 إيلاف قريش له ودعوته للإسلام
وكان أبو بكر رجلاً مألفاً لقومه محبباً سهلاً وكان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها وبما كان فيها من خير وشر وكان رجلاً تاجراً ذا خلق ومعروف وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر لعلمه وتجارته وحسن مجالسته فجعل يدعو إلى الله وإلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه.
ذكر من أسلم من الصحابة بدعوة أبي بكر رضي الله عنه
عثمان بن عفان
قال فأسلم بدعائه فيما بلغني عثمان بن عفان إبن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب.
الزبير بن العوام
والزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي.
قال الإسماعيلي العظيم: الزبير بن العوام يعود الى علي إبن أبي طالب (ع) إبن عمته صفية بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وعلي يعود الى الزبير إبن خاله أبي طالب شقيق صفية أم الزبير والزبير بن العوام يعود الى فاطمة الزهراء إبن خالها العوام إبن خويلد شقيق خديجة بنت خويلد وفاطمة تعود الى الزبير إبنتة عمته خديجة وليس كما يكذب الإيرانيون ويدعون أن رسول الله (ص) ليس له أهل وأقارب فهم كلهم كما المثل عمك خالك.
عبد الرحمن بن عوف
وعبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي.
سعد إبن أبي وقاص
وسعد بن أبي وقاص وأسم أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن مرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي.
وطلحة بن عبيد الله
وطلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين إستجابوا له فأسلموا وصلوا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيما بلغني ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة ونظر وتردد إلا ما كان من أبي بكر إبن أبي قحافة ما عكم عنه حين ذكرته له وما تردد فيه.
قال إبن هشام: قوله بدعائه عن غير إبن إسحق.
قال إبن هشام: قوله عكم تلبث قال رؤبة بن العجاج:
وإنصاع وثاب بها وما عكم
قال إبن إسحق: فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا الناس بالإسلام فصلوا وصدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما جاءه من الله.
 إسلام أبي عبيدة
ثم أسلم أبو عبيدة بن الجراح وإسمه عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر.
 إسلام أبي سلمة
وأبو سلمة وأسمه عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي.
إسلام الأرقم
والأرقم بن أبي الأرقم وأسم أبي الأرقم عبد مناف بن أسد وكان أسد يكنى أبا جندب بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي.
إسلام عثمان بن مظعون
وعثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي . وأخواه قدامة وعبد الله ابنا مظعون بن حبيب.
إسلام عبيدة بن الحارث
وعبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي.
إسلام سعيد بن زيد وإمرأته
وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن عبد الله بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي وإمرأته فاطمة بنت الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن عبد الله بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي أخت عمر بن الخطاب.
إسلام أسماء وعائشة إبنتي أبي بكر
وأسماء بنت أبي بكر وعائشة بنت أبي بكر وهي يومئذ صغيرة. 
إسلام خباب بن الأرت
وخباب بن الأرت حليف بني زهرة.
قال إبن هشام: خباب بن الأرت من بني تميم ويقال هو من خزاعة.
إسلام عمير وإبن مسعود وابن القاري
قال إبن إسحق: وعمير إبن أبي وقاص أخو سعد إبن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود بن الحارث بن شمخ بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل. ومسعود بن القاري وهو مسعود بن ربيعة بن عمرو بن سعد بن عبد العزى بن حمالة بن غالب بن محلم بن عائذة بن سبيع بن الهون بن خزيمة من القارة.
قال إبن هشام: والقارة لقب لهم ولهم يقال:
قد أنصف القارة من راماها
وكانوا قوما رماة.
إسلام سليط وأخيه وعياش وإمرأته وخنيس وعامر
قال إبن إسحق: وسليط بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر وأخوه حاطب بن عمرو وعياش إبن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي وإمرأته أسماء بنت سلامة بن مخربة التميمية وخنيس بن حذافة بن عدي بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي. وعامر بن ربيعة من عنز بن وائل حليف آل الخطاب بن نفيل بن عبد العزى. 
قال إبن هشام: عنز بن وائل أخو بكر بن وائل من ربيعة بن نزار. 
إسلام إبني جحش وجعفر وإمرأته وأولاد الحارث ونسائهم والسائب والمطلب وإمرأته
قال إبن إسحق: وعبد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة وأخوه أبو أحمد بن جحش حليفا بني أمية بن عبد شمس وجعفر إبن أبي طالب وإمرأته أسماء بنت عميس بن النعمان بن كعب بن مالك بن قحافة من خثعم وحاطب بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي وإمرأته فاطمة بنت المجلل بن عبد الله إبن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر وأخوه حطاب بن الحارث وإمرأته فكيهة بنت يسار ومعمر بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي والسائب بن عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب والمطلب بن أزهر بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي وإمرأته رملة بنت أبي عوف بن صبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي والنحام وأسمه نعيم بن عبد الله بن أسيد أخو بني عدي بن كعب بن لؤي.
إسلام نعيم النحام ونسبه
قال إبن هشام: هو نعيم بن عبد الله بن أسيد بن عبد عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب بن لؤي وإنما سمي النحام لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقد سمعت نحمه في الجنة.
قال إبن هشام: نحمه صوته ونحم حسه.
  إسلام عامر بن فهيرة ونسبه
قال إبن إسحق: وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
قال إبن هشام: عامر بن فهيرة مولد من مولدي الأسد أسود إشتراه أبو بكر رضي الله عنه منهم. 
 إسلام خالد بن سعيد وإمرأته أمينة
قال إبن إسحق: وخالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي وإمرأته أمينة بنت خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة بن سبيع بن جعثمة بن سعد بن مليح بن عمرو من خزاعة. 
قال إبن هشام: ويقال همينة بنت خلف.  
 إسلام حاطب وأبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة شقيق هند
قال إبن إسحق: وحاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر. وأبو حذيفة وأسمه مهشم فيما قال إبن هشام, بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي.
إسلام واقد وشيء من خبره
وواقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم حليف بني عدي بن كعب. قال إبن هشام: جاءت به باهلة فباعوه من الخطاب بن نفيل فتبناه فلما أنزل الله تعالى: ادعوهم لآبائهم. قال أنا واقد بن عبد الله فيما قال أبو عمرو المدني.  
       إسلام بني البكير
قال إبن إسحق: وخالد وعامر وعاقل وإياس بنو البكير بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة بن سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة حلفاء بني عدي بن كعب.
إسلام عمار بن ياسر
وعمار بن ياسر حليف بني مخزوم بن يقظة. 
قال إبن هشام: عمار بن ياسر عنسي من مذحج.
قال الإسماعيلي العظيم: عمار بن ياسر لاجيء يماني أعجمي ليس بعربي في مكة حليف بني مخزوم ولذلك كان أبو جهل بن هشام يعذبه هو وأمه سمية وأباه ياسر قول إبن هشام لا يعتد به لأن مذحج ليست يمانية فعمار يماني من حمير وما الأسماء التي سمي بها فسمته قريش بها وأمه وأباه.
إسلام صهيب ونسبه
قال إبن إسحق: وصهيب بن سنان أحد النمر بن قاسط حليف بني تيم بن مرة.
قال إبن هشام: النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار ويقال أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد ويقال صهيب مولى عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم ويقال إنه رومي فقال بعض من ذكر أنه من النمر بن قاسط إنما كان أسيراً في أرض الروم فإشتري منهم وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم صهيب سابق الروم.

 مبادأة رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه وما كان منهم
قال إبن إسحق: ثم دخل الناس في الإسلام أرسالاً من الرجال والنساء حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به ثم إن الله عز وجل أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يصدع بما جاءه منه وأن يبادي الناس بأمره وأن يدعوا إليه وكان بين ما أخفى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره وإستتر به إلى أن أمره الله تعالى بإظهار دينه ثلاث سنين فيما بلغني من مبعثه ثم قال الله تعالى له: فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين. وقال تعالى: وأنذر عشيرتك الأقربين وإخفض جناحك لمن إتبعك من المؤمنين وقل إني أنا النذير المبين.
تفسير إبن هشام

قال إبن هشام: إصدع إفرق بين الحق والباطل قال أبو ذؤيب الهذلي وأسمه خويلد بن خالد يصف أتن وحش وفحلها:
وكأنهن ربابة وكأنه        يسر يُفيض على القداح ويصدع
أي يفرق على القداح ويبين أنصباءها وهذا البيت في قصيدة له وقال رؤبة بن العجاج:
أنت الحليم والأمير المنتقم     تصدع بالحق وتنفي من ظلم
وهذان البيتان في أرجوزة له.
قال الإسماعيلي العظيم: الأتن إناث الحمر الوحشية شعر أبي ذؤيب الهذلي زين ورؤبة بن العجاج توفي عام خمس وأربعين ومئة قال عنه النسائي ليس بالقوي في الحديث والشعر لا بأس به. 
 خروج الرسول صلى الله عليه وسلم بأصحابه إلى شعاب مكة وما فعله سعد
قال إبن إسحاق: وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا ذهبوا في الشعاب فإستخفوا بصلاتهم من قومهم فبينا سعد إبن أبي وقاص في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعب من شعاب مكة إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم فضرب سعد إبن أبي وقاص يومئذ رجلاً من المشركين بلحي بعير فشجه فكان أول دم أهريق في الإسلام.
 إظهار قومه صلى الله عليه وسلم العداوة له وحدب عمه أبي طالب عليه
قال إبن إسحق: فلما بادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه بالإسلام وصدع به كما أمره الله لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه فيما بلغني حتى ذكر آلهتهم وعابها فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه وأجمعوا خلافه وعداوته إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام وهم قليل مستخفون وحدب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله مظهراً لأمره لا يرده عنه شيء فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب عتبة وشيبة إبنا ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب وأبو سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر.
قال إبن هشام: وأسم أبي سفيان صخر.
قال إبن إسحق: وأبو البختري وأسمه العاص بن هشام بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي.
قال إبن هشام: أبو البختري العاص بن هاشم.
قال إبن إسحق: والأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي وأبو جهل وأسمه عمرو وكان يكنى أبا الحكم بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي والوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي ونبيه ومنبه إبنا الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي والعاص بن وائل.
قال إبن هشام: العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي. 
وفد قريش الى أبي طالب في شأن الرسول صلى الله عليه وسلم
قال إبن إسحق: أو من مشى منهم فقالوا يا أبا طالب إن إبن أخيك قد سب آلهتنا وعاب
ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه فقال لهم أبو طالب قولاً رفيقاً وردهم رداً جميلاً فإنصرفوا عنه. 
رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمر في دعوته
ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه يظهر دين الله ويدعو إليه ثم شرى الأمر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال وتضاغنوا وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها فتذامروا فيه وحض بعضهم بعضاً عليه.
 رجوع الوفد الى أبي طالب ثانية
ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا له يا أبا طالب إن لك سناً وشرفاً ومنزلة فيناً وإنا قد إستنهيناك من إبن أخيك فلم تنهه عنا وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين أو كما قالوا له ثم إنصرفوا عنه فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم ولم يطب نفساً بإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ولا خذلانه. 
ما دار بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمه أبي طالب
قال إبن إسحق: وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن قريشاً حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له يا إبن أخي إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا للذي كانوا قالوا له فأبق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق قال فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بداء أنه خاذله ومسلمه وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته قال ثم إستعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى ثم قام فلما ولى ناداه أبو طالب فقال أقبل يبن أخي قال فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إذهب يبن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبداً. 
قال الإسماعيلي العظيم: السند صحيح فيه يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي المدني أحد العلماء بالسيرة روى عن عروة وعكرمة ويزيد بن هرمز ورأى السائب بن يزيد وعنه إبن إسحق وإبن الماجشون وإبراهيم بن سعد والوليد بن مسافر وآخرون وكان ذا علم وورع ينظر في أمر الصدقات وثقه إبن معين وغيره توفي سنة ثمان وعشرين ومائة. 
  مشي قريش إلى أبي طالب ثالثة بعمارة بن الوليد المخزومي
قال إبن إسحق: ثم إن قريشاً حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسلامه وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا له فيما بلغني يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأجمله فخذه فلك عقله ونصره وإتخذه ولداً فهو لك وأسلم إلينا إبن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم فنقتله فإنما هو رجل برجل فقال والله لبئس ما تسومونني أتعطونني إبنكم أغذوه لكم وأعطيكم إبني تقتلونه هذا والله ما لا يكون أبداً قال فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك وجهدوا على التخلص مما تكرهه فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئاً فقال أبو طالب للمطعم والله ما أنصفوني ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علي فإصنع ما بدا لك أو كما قال فحقب الأمر وحميت الحرب وتنابذ القوم وبادى بعضهم بعضاً.
شعر أبي طالب بالمطعم ومن خذله من بني عبد مناف
فقال أبو طالب عند ذلك يعرض بالمطعم بن عدي ويعم من خذله من بني عبد مناف ومن عاداه من قبائل قريش ويذكر ما سألوه وما تباعد من أمرهم:
ألا قل لعمرو والوليد ومطعم        ألا ليت حظي من حياطتكم بكر   
من الخور حبحاب كثير رغاؤه     يرش على الساقين من بوله قطر    
تخلف خلف الورد ليس بلاحق    إذا ما علا الفيفاء قيل له وبر    
أرى أخوينا من أبينا وأمنا       إذا سئلا قالا إلى غيرنا الأمر    
بلى لهما أمر ولكن تجرجما      كما جرجمت من رأس ذي علق الصخر    
أخص خصوصاً عبد شمس ونوفلاً        هما نبذانا مثل ما ينبذ الجمر    
هما أغمزا للقوم في أخويهما       فقد أصبحا منهم أكفهما صفر    
هما أشركا في المجد من لا أباً له      من الناس إلا أن يرس له ذكر    
وتيم ومخزوم وزهرة منهم       وكانوا لنا مولى إذا بغي النصر    
فوالله لا تنفك منا عداوة        ولا منهم ما كان من نسلنا شفر    
فقد سفهت أحلامهم وعقولهم       وكانوا كجفر بئس ما صنعت جفر
قال إبن هشام: تركنا منها بيتين أقذع فيهما.
قال الإسماعيلي العظيم: الشعر زين لأبي طالب.
قريش تظهر عداوتها للمسلمين
قال إبن إسحق: ثم إن قريشاً تذامروا بينهم على من في القبائل منهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أسلموا معه فوثبت كل قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم ومنع الله رسوله صلى الله عليه وسلم منهم بعمه أبي طالب وقد قام أبو طالب حين رأى قريشاً يصنعون ما يصنعون في بني هاشم وبني المطلب فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم والقيام دونه فإجتمعوا إليه وقاموا معه وأجابوه إلى ما دعاهم إليه إلا ما كان من أبي لهب عدو الله الملعون.
شعر أبي طالب في مدح قومه لحدبهم عليه
فلما رأى أبو طالب من قومه ما سره في جهدهم معه وحدبهم عليه جعل يمدحهم ويذكر قديمهم ويذكر فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ومكانه منهم ليشد لهم رأيهم وليحدبوا معه على أمره فقال:
إذا إجتمعت يوماً قريش لمفخر     فعبد مناف سرها وصميمها    
وإن حصلت أشراف عبد منافها      ففي هاشم أشرافها وقديمها    
وإن فخرت يوماً فإن محمداً      هو المصطفى من سرها وكريمها    
تداعت قريش غثها وسمينها       علينا فلم تظفر وطاشت حلومها    
وكنا قديماً لا نقر ظلامة       إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها    
ونحمي حماها كل يوم كريهة       ونضرب عن أجحارها من يرومها    
بنا إنتعش العود الذواء وإنما        بأكنافنا تندى وتنمى أرومها
قال الإسماعيلي العظيم: الشعر لأبي طالب. 
الوليد بن المغيرة وكيده للرسول صلى الله عليه وسلم ووصفه القران
ثم إن الوليد بن المغيرة إجتمع إليه نفر من قريش وكان ذا سن فيهم وقد حضر الموسم فقال لهم يا معشر قريش إنه قد حضر هذا الموسم وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجمعوا فيه رأياً واحداً ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً ويرد قولكم بعضه بعضاً قالوا فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأياً نقول به قال بل أنتم فقولوا أسمع قالوا نقول كاهن قال لا والله ما هو بكاهن لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه قالوا فنقول مجنون قال ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته قالوا فنقول شاعر قال ما هو بشاعر لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر قالوا فنقول ساحر قال ما هو بساحر لقد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثهم ولا عقدهم قالوا فما نقول يا أبا عبد شمس قال والله إن لقوله لحلاوة وإن أصله لعذق وإن فرعه لجناة.
قال إبن هشام: ويقال لغدق.
قال الإسماعيلي العظيم: رواية عذق أولى من غدق لأنه يصف الحلاوة والعذوبة.
وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عرف أنه باطل وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجته وبين المرء وعشيرته فتفرقوا عنه بذلك فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه وذكروا لهم أمره فأنزل الله تعالى في الوليد بن المغيرة وفي ذلك من قوله: ( ذرني ومن خلقت وحيداً وجعلت له مالاً ممدوداً وبنين شهوداً ومهدت له تمهيداً ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان لآياتنا عنيداً ) أي خصيماً.
قال إبن هشام: عنيد معاند مخالف قال رؤبة بن العجاج:
ونحن ضرابون رأس العند
وهذا البيت في أرجوزة له. 
( سأرهقه صعوداً إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر )
قال إبن هشام: بسر كره وجهه قال العجاج:
مضبر اللحيين بسراً منهساً
يصف كراهية وجهه وهذا البيت في أرجوزة له.
( ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر )
ما أنزل الله في النفر الذين كانوا مع المغيرة
قال إبن إسحق: وأنزل الله تعالى في النفر الذين كانوا معه يصنفون القول في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيما جاء به من الله تعالى: ( كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ). 
قال إبن هشام: واحدة العضين عضة يقول عضوه فرقوه قال رؤبة بن العجاج:
وليس دين الله بالمعضى
وهذا البيت في أرجوزة له.
قال إبن إسحق: فجعل أولئك النفر يقولون ذلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن لقوا من الناس وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنتشر ذكره في بلاد العرب كلها.
شعر أبي طالب في معاداة  قريش
فلما خشي أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه قال قصيدته التي تعوذ فيها بحرم مكة وبمكانه منها وتودد فيها أشراف قومه وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في ذلك من شعره أنه غير مسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تاركه لشيء أبداً حتى يهلك دونه فقال:
ولما رأيت القوم لا ود فيهم        وقد قطعوا كل العرى والوسائل    
وقد صارحونا بالعداوة والأذى    وقد طاوعوا أمر العدو المزايل    
وقد حالفوا قوماً علينا أظنة     يعضون غيظاً خلفنا بالأنامل    
صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة    وأبيض عضب من تراث المقاول    
وأحضرت عند البيت رهطي وإخوتي    وأمسكت من أثوابه بالوصائل    
قياماً معاً مستقبلين رتاجه     لدى حيث يقضي حلفه كل نافل    
وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم     بمفضى السيول من إساف ونائل    
موسمة الأعضاد أو قصراتها     مخيسة بين السديس وبازل    
ترى الودع فيها والرخام وزينة     بأعناقها معقودة كالعثاكل    
أعوذ برب الناس من كل طاعن     علينا بسوء أو ملح بباطل    
ومن كاشح يسعى لنا بمعيبة     ومن ملحق في الدين ما لم نحاول    
وثور ومن أرسى ثبيراً مكانه    وراق ليرقى في حراء ونازل    
وبالبيت حق البيت من بطن مكة     وبالله إن الله ليس بغافل    
وبالحجر المسود إذ يمسحونه     إذا إكتنفوه بالضحى والأصائل    
وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة     على قدميه حافياً غير ناعل
قال الإسماعيلي العظيم: قوله صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة السمراء قناة الرمح جمعها سمر وتصنع من شجر السمُر سمحة سهلة فهو يقول صبرت نفسي لهم برمح سهل وسيف أبيض مقطع من تراث المقاول ويقصد من تراث أجداده شبهم بالملوك لأنهم كانوا سادات العرب وليس كما يدعي إبن هشام بأن هذا السيف من سيوف الشخصية الوهمية إبن يزن الحميري والوصائل كسوة مخططة كان يكسى بها الحرم ورتاج باب الكعبة إساف ونائل صنمين كانا في مفضى السيول وادي بكة مقابل الكعبة المكرمة وموسمة الأعضاد مكوية العضد وهو ما يلي الزند عند الأنسان وهي علامات تعلم بها الأبل لمعرفتها وأصحابها وأتذكر أمهاتنا العجائز عندما يشترين اللحم يذكرن العضد غالباً قصراتها أصول أعناق الأبل ومخيسة مذللة والسديس الجمل الذي دخل في السنة السادسة وبازل البعير الذي دخل في السنة التاسعة ونبت نابه والودع خرز والرخام أحجاز مزينة العثاكل الثمار المنظودة والكاشح المظهر كشحه بالعداوة الكشح هو مابين الصدر والبطن وثور وثبير وحراء جبال في مكة الى هنا الشعر زين لأبي طالب.
وأشواط بين المروتين إلى الصفا      وما فيهما من صورة وتماثل     
ومن حج بيت الله من كل راكب      ومن كل ذي نذر ومن كل راجل     
وبالمشعر الأقصى إذا عمدوا له      إلال إلى مفضى الشراج القوابل     
وتوقافهم فوق الجبال عشية     يقيمون بالأيدي صدور الرواحل     
وليلة جمع والمنازل من منى     وهل فوقها من حرمة ومنازل     
وجمع إذا ما المقربات أجزنه      سراعاً كما يخرجن من وقع وابل     
وبالجمرة الكبرى إذا صمدوا لها      يؤمون قذفاً رأسها بالجنادل     
وكندة إذا هم بالحصاب عشية      تجيز بهم حجاج بكر بن وائل     
حليفان شدا عقد ما إحتلفا له      ورداً عليه عاطفات الوسائل     
وحطمهم سمر الرماح وسرحه      وشبرقه وخد النعام الجوافل     
فهل بعد هذا من معاذ لعائذ      وهل من معيذ يتقي الله عاذل     
يطاع بنا العدى وودوا لو اننا       تسد بنا أبواب ترك وكابل     
كذبتم وبيت الله نترك مكة    ونظعن إلا أمركم في بلابل     
كذبتم وبيت الله نبزى محمداً      ولما نطاعن دونه ونناضل     
ونُسلمُه حتى نُصرع حوله      ونذهل عن أبنائنا والحلائل     
وينهض قوم في الحديد إليكم       نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل     
وحتى ترى ذا الضغن يركب ردعه      من الطعن فعل الأنكب المتحامل     
وإنا لعمر الله إن جد ما أرى        لتلتبسن أسيافنا بالأماثل     
بكفي فتى مثل الشهاب سميدع      أخي ثقة حامي الحقيقة باسل    
شهوراً وأياماً وحولاً مجرماً       علينا وتأتي حجة بعد قابل     
وما ترك قوم لا أباً لك سيداً       يحوط الذمار غير ذرب مواكل     
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه      ثمال اليتامى عصمة للأرامل     
يلوذ به الهلاف من آل هاشم       فهم عنده في رحمة وفواصل     
لعمري لقد أجرى أسيد وبكره     إلى بغضنا وجزآنا لآكل     
وعثمان لم يربع علينا وقنفذ      ولكن أطاعا أمر تلك القبائل     
أطاعا أبياً وإبن عبد يغوثهم      ولم يرقبا فينا مقالة قائل
قال الإسماعيلي العظيم: الشعر زين لا مانع أن يكون لأبي طالب وإن ذكر فيه كلمات غريبة وقاذعة عن العرب مثل ترك وكابل تفسير كلمة الهلاف جمع الهلوف وهو الضعيف العاجز من الناس ويريد أن يقول الضعاف والعجزة من بني هاشم وسمر الرماح الرماح التي قنواتها من شجر السمر كنت أريد أن أفسر كل سطر ولكني أخشى الإطالة.
كما قد لقينا من سبيع ونوفل       وكل تولى معرضاً لم يجامل     
فإن يلقيا أو يمكن الله منهما       نكل لهما صاعاً بصاع المكايل     
وذاك أبو عمرو أبى غير بغضنا        ليظعننا في أهل شاء وجامل     
يناجي بنا في كل ممسى ومصبح       فناج أبا عمرو بنا ثم خاتل     
ويؤلى لنا بالله ما إن يغشنا        بلى قد نراه جهرة غير حائل     
أضاق عليه بغضنا كل تلعة      من الأرض بين أخشب فمجادل    
وسائل أبا الوليد ماذا حبوتنا     بسعيك فينا معرضاً كالمخاتل     
وكنت إمرأ ممن يعاش برأيه      ورحمته فينا ولست بجاهل؟    
فعتبة لا تسمع بنا قول كاشح     حسود كذوب مبغض ذي دغاول    
ومر أبو سفيان عني معرضاً       كما مر قيل من عظام المقاول    
يفر إلى نجد وبرد مياهه       ويزعم أني لست عنكم بغافل    
ويخبرنا فعل المناصح أنه      شفيق ويخفي عارمات الدواخل    
أمطعم لم أخذلك في يوم نجدة       ولا معظم عند الأمور الجلائل    
ولا يوم خصم إذا أتوك ألدة         أولي جدل من الخصوم المساجل     
أمطعم إن القوم ساموك خطة        وإني متى أوكل فلست بوائل     
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلاً        عقوبة شر عاجلاً غير آجل    
بميزان قسط لا يخس شعيرة        له شاهد من نفسه غير عائل      
لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا         بني خلف قيضاً بنا والغياطل
قال الإسماعيلي العظيم: الشعر الى هنا لا بأس به قد يرقى أن يكون شعراً لأبي طالب.
ونحن الصميم من ذؤابة هاشم      وآل قصي في الخطوب الأوائل     
وسهم ومخزوم تمالوا وألبوا       علينا العدا من كل طمل وخامل     
فعبد مناف أنتم خير قومكم        فلا تشركوا في أمركم كل واغل     
لعمري لقد وهنتم وعجزتم         وجئتم بأمر مخطئ للمفاصل     
وكنتم حديثا حطب قدر وأنتم     الآن حطاب أقدر ومراجل     
ليهنئ بني عبد مناف عقوقنا       وخذلاننا وتركنا في المعاقل     
فإن نك قوماً نتئر ما صنعتم      وتحتلبوها لقحة غير باهل     
وسائط كانت في لؤي بن غالب     نفاهم إلينا كل صقر حلاحل     
ورهط نفيل شر من وطئ الحصى      وألأم حاف من معد وناعل     
فأبلغ قصياً أن سينشر أمرنا     وبشر قصياً بعدنا بالتخاذل     
ولو طرقت ليلاً قصياً عظيمة      إذا ما لجأنا دونهم في المداخل     
ولو صدقوا ضرباً خلال بيوتهم       لكنا أسى عند النساء المطافل     
فكل صديق وإبن أخت نعده         لعمري وجدنا غبه غير طائل
قال الإسماعيلي العظيم: الشعر ركيك في صورة باتة ليس لأبي طالب.
سوى أن رهطاً من كلاب بن مرة       براء إلينا من معقة خاذل    
وهنا لهم حتى تبدد جمعهم      ويحسر عنا كل باغ وجاهل    
وكان لنا حوض السقاية فيهم       ونحن الكدى من غالب والكواهل    
شباب من المطيّبين وهاشم       كبيض السيوف بين أيدي الصياقل    
فما أدركوا ذحلاً ولا سفكوا دماً      ولا حالفوا إلا شرار القبائل    
بضرب ترى الفتيان فيه كأنهم       ضواري أسود فوق لحم خرادل  
بني أمة محبوبة هندكية       بني جمح عبيد قيس بن عاقل  
ولكننا نسل كرام لسادة       بهم نعي الأقوام عند البواطل    
ونعم إبن أخت القوم غير مكذب      زهير حساماً مفرداً من حمائل    
أشم من الشم البهاليل ينتمي      إلى حسب في حومة المجد فاضل  
لعمري لقد كلفت وجداً بأحمد      وإخوته دأب المحب المواصل    
فلا زال في الدنيا جمالاً لأهلها      وزينا لمن والاه رب المشاكل    
فمن مثله في الناس أي مؤمل       إذا قاسه الحكام عند التفاضل    
حليم رشيد عادل غير طائش        يوالي إلاها ليس عنه بغافل    
فوالله لولا أن أجيء بسنة        تجر على أشياخنا في المحافل   
لكنا إتبعناه على كل حالة       من الدهر جداً غير قول التهازل    
لقد علموا أن إبننا لا مكذب       لدينا ولا يعنى بقول الأباطل    
فأصبح فينا أحمد في أرومة      تقصر عنه سورة المتطاول    
حدبت بنفسي دونه وحميته      ودافعت عنه بالذرا والكلاكل    
فأيده رب العباد بنصره        وأظهر ديناً حقه غير باطل    
رجال كرام غير ميل نماهم     إلى الخير آباء كرام المحاصل    
فإن تك كعب من لؤي صقيبة     فلا بد يوماً مرة من تزايل
قال ابن هشام: هذا ما صح لي من هذه القصيدة وبعض أهل العلم بالشعر ينكر أكثرها.
قال الإسماعيلي العظيم: الشعر والأبيات ركيكة ليست لأبي طالب إلا الأبيات
بضرب ترى الفتيان فيه كأنهم       ضواري أسود فوق لحم خرادل
بني أمة محبوبة هندكية       بني جمح عبيد قيس بن عاقل     
أشم من الشم البهاليل ينتمي      إلى حسب في حومة المجد فاضل   
فوالله لولا أن أجيء بسنة        تجر على أشياخنا في المحافل
لا بأس بها والهندكية السيوف المصنوعة بالهند شبه الرجال بالسيوف. 
الرسول عليه الصلاة والسلام يستسقي لأهل المدينة ويود لو أن أبا طالب حيّ ليرى ذلك
قال إبن هشام: وحدثني من أثق به قال أقحط أهل المدينة فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكوا ذلك إليه فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فإستسقى فما لبث أن جاء من المطر ما أتاه أهل الضواحي يشكون منه الغرق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم حوالينا ولا علينا فإنجاب السحاب عن المدينة فصار حواليها كالإكليل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أدرك أبو طالب هذا اليوم لسره فقال له بعض أصحابه كأنك يا رسول الله أردت قوله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه       ثمال اليتامى عصمة للأرامل
قال أجل.
قال إبن هشام: وقوله وشبرقه عن غير إبن إسحق.
الأسماء التي وردت في قصيدة أبي طالب
قال إبن إسحق: والغياطل من بني سهم بن عمرو بن هصيص وأبو سفيان بن حرب بن أمية ومطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف وزهير إبن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وأمه عاتكة بنت عبد المطلب.
قال إبن إسحق: وأسيد وبكره عتاب بن أسيد إبن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي وعثمان بن عبيد الله أخو طلحة بن عبيد الله التيمي وقنفذ بن عمير بن جدعان بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة وأبو الوليد عتبة بن ربيعة وأبي الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة بن كلاب. 
قال إبن هشام: وإنما سمي الأخنس لأنه خنس بالقوم يوم بدر وإنما إسمه أبيّ وهو من بني علاج وهو علاج إبن أبي سلمة بن عوف بن عقبة.
والأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب وسبيع بن خالد أخو بلحارث بن فهر ونوفل بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي وهو إبن العدوية وكان من شياطين قريش وهو الذي قرن بين أبي بكر الصديق وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما في حبل حين أسلما فبذلك كانا يسميان القرينين قتله علي إبن أبي طالب رضي الله عنه يوم بدر وأبو عمرو قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف وقوم علينا أظنة: بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة فهؤلاء الذين عدد أبو طالب في شعره من العرب.
إنتشار ذكر الرسول في القبائل خارج مكة ولا سيما في الأوس والخزرج
فلما إنتشر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرب وبلغ البلدان ذكر بالمدينة ولم يكن حي من العرب أعلم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر وقبل أن يذكر من هذا الحي من الأوس والخزرج وذلك لما كانوا يسمعون من أحبار اليهود وكانوا لهم حلفاء ومعهم في بلادهم فلما وقع ذكره بالمدينة وتحدثوا بما بين قريش فيه من الإختلاف قال أبو قيس بن الأسلت أخو بني واقف.
نسب أبي قيس بن الأسلت
قال إبن هشام: نسب إبن إسحق أبا قيس هذا هاهنا إلى بني واقف ونسبه في حديث الفيل إلى خطمة لأن العرب قد تنسب الرجل إلى أخي جده الذي هو أشهر منه.
قال إبن هشام: حدثني أبو عبيدة أن الحكم بن عمرو الغفاري من ولد نعيلة أخي غفار وهو غفار بن مليل ونعيلة
بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة وقد قالوا عتبة بن غزوان السلمي وهو من ولد مازن بن منصور وسليم بن منصور.
قال إبن هشام: فأبو قيس بن الأسلت من بني وائل ووائل وواقف وخطمة إخوة من الأوس. 
شعر إبن الأسلت في الدفاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم
قال إبن إسحق: فقال أبو قيس بن الأسلت وكان يحب قريشاً وكان لهم صهراً كانت عنده أرنب بنت أسد بن عبد العزى بن قصي وكان يقيم عندهم السنين بإمرأته قصيدة يعظم فيها الحرمة وينهى قريشاً فيها عن الحرب ويأمرهم بالكف بعضهم عن بعض ويذكر فضلهم وأحلامهم ويأمرهم بالكف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويذكرهم بلاء الله عندهم ودفعه عنهم الفيل وكيده عنهم فقال:
يا راكباً إما عرضت فبلغن     مغلغلة عني لؤي بن غالب    
رسول إمرئ قد راعه ذات بينكم      على النأي محزونٍ بذلك ناصب    
وقد كان عندي للهموم معرس     فلم أقض منها حاجتي ومآربي    
نبيتكم شرجين كل قبيلة       لها أزمل من بين مذك وحاطب   
أعيذكم بالله من شر صنعكم      وشر تباغيكم ودس العقارب    
وإظهار أخلاق ونجوى سقيمة    كوخز الأشافي وقعها حق صائب    
فذكرهم بالله أول وهلة       وإحلال أحرام الظباء الشوازب    
وقل لهم والله يحكم حكمه         ذروا الحرب تذهب عنكم في المراحب    
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة      هي الغول للأقصين أو للأقارب    
تقطع أرحاماً وتهلك أمة       وتبري السديف من سنام وغارب    
وتستبدلوا بالأتحمية بعدها      شليلاً وأصداء ثياب المحارب    
وبالمسك والكافور غُبراً سوابغاً        كأن قتيريها عيون الجنادب    
فإياكم والحرب لا تعلقنكم        وحوضاً وخيم الماء مر المشارب    
تزين للأقوام ثم يرونها         بعاقبة إذ بينت أم صاحب    
تحرق لا تشوي ضعيفاً وتنتحي      ذوي العز منكم بالحتوف الصوائب    
ألم تعلموا ما كان في حرب داحس        فتعتبروا أو كان في حرب حاطب    
وكم قد أصابت من شريف مسود       طويل العماد ضيفه غير خائب
عظيم رماد النار يحمد أمره       وذي شيمة محض كريم المضارب    
وماء هريق في الضلال كأنما        أذاعت به ريح الصبا والجنائب    
يخبركم عنها إمرؤ حق عالم     بأيامها والعلم علم التجارب    
فبيعوا الحراب ملمحارب وإذكروا       حسابكم والله خير محاسب    
ولي إمرئ فإختار ديناً فلا يكن       عليكم رقيباً غير رب الثواقب    
أقيموا لنا ديناً حنيفاً فأنتم        لنا غاية قد يهتدى بالذوائب    
وأنتم لهذا الناس نور وعصمة       تؤمون والأحلام غير عوازب    
وأنتم إذا ما حصل الناس جوهر     لكم سرة البطحاء شم الأرانب    
تصونون أجساداً كراماً عتيقة      مهذبة الأنساب غير أشائب    
ترى طالب الحاجات نحو بيوتكم      عصائب هلكى تهتدي بعصائب    
لقد علم الأقوام أن سراتكم       على كل حال خير أهل الجباجب    
وأفضله رأياً وأعلاه سنة      وأقوله للحق وسط المواكب    
فقوموا فصلوا ربكم وتمسحوا       بأركان هذا البيت بين الأخاشب    
فعندكم منه بلاء ومصدق       غداة أبي يكسوم هادي الكتائب    
كتيبته بالسهل تمسي ورجله      على القاذفات في رءوس المناقب   
فلما أتاكم نصر ذي العرش ردهم      جنود المليك بين ساف وحاصب    
فولوا سراعاً هاربين ولم يؤب      إلى أهله ملحبش غير عصائب    
فإن تهلكوا نهلك وتهلك مواسم       يعاش بها قول إمرئ غير كاذب
قال إبن هشام: أنشدني بيته: وماء هريق وبيته: فبيعوا الحراب وقوله: ولي إمرئ فإختار وقوله:
على القاذفات في رءوس المناقب
أبو زيد الأنصاري وغيره.
قال الإسماعيلي العظيم: الشعر لا بأس به ولكنه لا يرقى أن يكون شعراً جاهلياً قبل الهجرة وقول إبن هشام أنشدني أبو زيد الأنصاري قد يكون الشعر لأبي زيد هو أبو زيد سعيد بن أوس بن ثابت الخزرجي الأنصاري البصري المتوفى عام خمسة عشر ومئتين هجرية وقيل دون ذلك نحوي صاحب التصانيف من أئمة الأدب حفيد الصحابي ثابت بن زيد بن قيس الخزرجي الذي جمع القران على عهد رسول الله محمد (ص) إمتدحه إبن أبي حاتم وقال عنه ثقة وقال عنه صالح جزرة ثقة وأبو عثمان المازني والسيرافي والمبرد والأصمعي.
إنتهى الجزء السابع إضغط على رسالة أحدث في آخر الأسفل حتى تنتقل الى الجزء الثامن وكذا لم
الجزء الثامن
حرب داحس
قال إبن هشام: وأما قوله:
ألم تعلموا ما كان في حرب داحس
فحدثني أبو عبيدة النحوي أن داحساً فرس كان لقيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن الحارث بن مازن بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان أجراه مع فرس لحذيفة بن بدر بن عمرو بن زيد بن جؤية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان يقال لها الغبراء فدس حذيفة قوماً وأمرهم أن يضربوا وجه داحس إن رأوه قد جاء سابقاً فجاء داحس سابقاً فضربوا وجهه وجاءت الغبراء فلما جاء فارس داحس أخبر قيساً الخبر فوثب أخوه مالك بن زهير فلطم وجه الغبراء فقام حمل بن بدر فلطم مالكاً ثم إن أبا الجنيدب العبسي لقي عوف بن حذيفة فقتله ثم لقي رجل من بني فزارة مالكاً فقتله فقال حمل بن بدر أخو حذيفة بن بدر:
قتلنا بعوف مالكاً وهو ثأرنا     فإن تطلبوا منا سوى الحق تندموا
وهذا البيت في أبيات له وقال الربيع بن زياد العبسي:
أفبعد مقتل مالك بن زهير     ترجو النساء عواقب الأطهار
قال الإسماعيلي العظيم: الشعر ركيك وقد يكون قول وليس شعراً لحمل بن بدر والربيع بن زياد.
وهذا البيت في قصيدة له.
فوقعت الحرب بين عبس وفزارة فقتل حذيفة بن بدر وأخوه حمل بن بدر فقال قيس بن زهير بن جذيمة يرثي حذيفة وجزع عليه:
كم فارس يدعى وليس بفارس     وعلى الهباءة فارس ذو مصدق    
فإبكوا حذيفة لن ترثوا مثله      حتى تبيد قبائل لم تخلق
وهذان البيتان في أبيات له. وقال قيس بن زهير:
على أن الفتى حمل بن بدر     بغى والظلم مرتعه وخيم
وهذا البيت في أبيات له. وقال الحارث بن زهير أخو قيس بن زهير:
تركت على الهباءة غير فخر     حذيفة عنده قصد العوالي
وهذا البيت في أبيات له.
قال إبن هشام: ويقال أرسل قيس داحساً والغبراء وأرسل حذيفة الخطار والحنفاء والأول أصح الحديثين وهو حديث طويل منعني من إستقصائه قطعه حديث سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الإسماعيلي العظيم: الشعر ركيك والظاهر أن إبن هشام يرويه عن منحلي الشعر كأبي عبيدة زأبي زيد وخلف الأحمر وغيرهم.
حرب حاطب
قال إبن هشام: وأما قوله حرب حاطب فيعني حاطب بن الحارث بن قيس بن هيشة بن الحارث بن أمية بن معاوية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس كان قتل يهودياً جاراً للخزرج فخرج إليه يزيد بن الحارث بن قيس بن مالك بن أحمر بن حارثة بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج وهو الذي يقال له إبن فسحم وفسحم أمه وهي إمرأة من القين بن جسر, ليلاً في نفر من بني الحارث بن الخزرج فقتلوه فوقعت الحرب بين الأوس والخزرج فإقتتلوا قتالاً شديداً فكان الظفر للخزرج على الأوس وقتل يومئذ سويد بن صامت بن خالد بن عطية بن حوط بن حبيب بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس قتله المجذر بن ذياد البلوي وإسمه عبد الله حليف بني عوف بن الخزرج فلما كان يوم أحد خرج المجذر بن ذياد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج معه الحارث بن سويد بن صامت فوجد الحارث بن سويد غرة من المجذر فقتله بأبيه وسأذكر حديثه في موضعه إن شاء الله تعالى ثم كانت بينهم حروب منعني من ذكرها وإستقصاء هذا الحديث ما ذكرت في حديث حرب داحس.
 شعر حكيم بن أمية في نهي قومه عن عداوة النبي صلى الله عليه وسلم
قال إبن إسحق: وقال حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمي حليف بني أمية وقد أسلم يورع قومه عما أجمعوا عليه من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان فيهم شريفاً مطاعاً:
هل قائل قولاً هو الحق قاعد        عليه وهل غضبان للرشد سامع    
وهل سيد ترجوا العشيرة نفعه     لأقصى الموالي والأقارب جامع    
تبرأت إلا وجه من يملك الصبا    وأهجركم ما دام مدل ونازع    
وأسلم وجهي للإله ومنطقي       ولو راعني من الصديق روائع
قال الإسماعيلي العظيم: يورع يصرف والمُدل الذي يرسل الدلو في البئر والنازع الجابذ حبل الدلو الشعر زين ولكن صورته البيانية تختلف عن الصورة البيانية لشاعر جاهلي.
ذكر ما لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قومه  
سفاء قريش يؤذونه
قال إبن إسحق: ثم إن قريشاً أشتد أمرهم للشقاء الذي أصابهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أسلم معه منهم فأغروا برسول الله صلى الله عليه وسلم سفهاءهم فكذبوه وآذوه ورموه بالشعر والسحر والكهانة والجنون ورسول الله صلى الله عليه وسلم مظهر لأمر الله لا يستخفي به مباد لهم بما يكرهون من عيب دينهم وإعتزال أوثانهم وفراقه إياهم على كفرهم.
 أشد ما أوذي به رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال إبن إسحق: فحدثني يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه عروة بن الزبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قلت له ما أكثر ما رأيت قريشاً أصابوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانوا يظهرون من عداوته قال حضرتهم وقد إجتمع أشرافهم يوماً في الحجر فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط سفه أحلامنا وشتم آباءنا وعاب ديننا وفرق جماعتنا وسب آلهتنا لقد صبرنا منه على أمر عظيم أو كما قالوا فبينا هم في ذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل يمشي حتى إستلم الركن ثم مر بهم طائفاً بالبيت فلما مر بهم غمزوه ببعض القول قال فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ثم مضى فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها فوقف ثم قال أتسمعون يا معشر قريش أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح قال فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع حتى إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول حتى إنه ليقول إنصرف يا أبا القاسم فوالله ما كنت جهولاً قال فإنصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان الغد إجتمعوا في الحجر وأنا معهم فقال بعضهم لبعض ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه فبينما هم في ذلك طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوثبوا إليه وثبة رجل واحد وأحاطوا به يقولون أنت الذي تقول كذا وكذا لما كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم أنا الذي أقول ذلك قال فلقد رأيت رجلاً منهم أخذ بمجمع ردائه قال فقام أبو بكر رضي الله عنه دونه وهو يبكي ويقول أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله ثم إنصرفوا عنه فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشاً نالوا منه قط.
قال الإسماعيلي العظيم: السند صحيح رجاله ثقاة وهو سلسلة الذهب والحديث صحيح وقول رسول الله (ص) جئتكم بالذبح أي جأتكم بأمر فيه القتل والهلاك والذبح, وليرفؤه يهدئه.
قال إبن إسحق: وحدثني بعض آل أم كلثوم بنت أبي بكر أنها قالت لقد رجع أبو بكر يومئذ وقد صدعوا فرق رأسه مما جبذوه بلحيته وكان رجلاً كثير الشعر. 
قال إبن هشام: حدثني بعض أهل العلم أن أشد ما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش أنه خرج يوماً فلم يلقه أحد من الناس إلا كذبه وآذاه لا حر ولا عبد فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله فتدثر من شدة ما أصابه فأنزل الله تعالى عليه (يا أيها المدثر قم فأنذر).
إسلام حمزة رضي االله عنه
سبب إسلامه قال إبن إسحق: حدثني رجل من أسلم كان واعية أن أبا جهل مر برسول االله صلى الله عليه وسلم عند الصفا فآذاه وشتمه ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه والتضعيف لأمره فلم يكلمه رسول االله صلى االله عليه وسلم ومولاة لعبداالله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة في مسكن لها تسمع ذلك ثم إنصرف عنه فعمد إلى ناد من قريش عند الكعبة فجلس معهم فلم يلبث حمزة بن عبدالمطلب رضي االله عنه أن أقبل متوشحاً قوسه راجعاً من قنص له وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم وكان أعز فتى في قريش وأشد شكيمة فلما مر بالمولاة وقد رجع رسول االله صلى االله عليه وسلم إلى بيته قالت له يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي إبن أخيك محمد آنفاً من أبي الحكم بن هشام وجده هاهنا جالساً فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره ثم إنصرف عنه ولم يكلمه محمد صلى االله عليه وسلم.
إيقاع حمزة بأبي جهل
فإحتمل حمزةَ الغضب لما أراد االله به من كرامته فخرج يسعى ولم يقف على أحد معِداً لأبي جهل إذا لقيه أن يوقع به فلما دخل المسجد نظر إليه جالساً في القوم فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجه شجة منكرة ثم قال أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول فرد ذلك علي إن إستطعت فقامت رجال من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل فقال أبو جهل دعوا أبا عمارة فإني واالله قد سببت إبن أخيه سباً قبيحاً وتم حمزة رضي االله عنه على إسلامه وعلى ما تابع عليه رسول الله صلى االله عليه وسلم من قوله فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول االله صلى االله عليه وسلم قد عز وإمتنع وأن حمزة سيمنعه فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه.
قول عتبة بن ربيعة في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم

 ما دار بين عتبة وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم 
قال إبن إسحق: وحدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال حدثت أن عتبة بن ربيعة وكان سيداً قال يوماً وهو جالس في نادي قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون فقالوا بلى يا أبا الوليد قم إليه فكلمه فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا إبن أخي إنك منا حيث قد علمت من السطة في العشيرة والمكان في النسب وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم فإسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها قال فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم قل يا أبا الوليد أسمع قال يا إبن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه أو كما قال له حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه قال أقد فرغت يا أبا الوليد قال نعم قال فإسمع مني قال أفعل فقال ( بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ) ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يقرؤها عليه فلما سمعها منه عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما يسمع منه ثم إنتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد ثم قال قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك.
رأي عتبة
ما أشار به عتبة على أصحابه
فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به فلما جلس إليهم قالوا ما وراءك يا أبا الوليد قال ورائي أني قد سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة يا معشر قريش أطيعوني وإجعلوها بي وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فإعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به قالوا سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه قال هذا رأيي فيه فإصنعوا ما بدا لكم.
قال الإسماعيلي العظيم: السند صحيح فيه يزيد بن زياد ويقال إبن أبي زياد الكوفي المتوفى عام سبع وثلاثين ومئة هجرية مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل معدود في صغار التابعين رأى أنساً وروى عن النجديين الذين سكنوا الكوفى بعد بنائها قال فيه شعبة كان رفاعاً يعني أقول الصحابة يرفعها لم يحتج به البخاري ولا مسلم قال يحيى بن معين لا يحتج بحديثه وقال أحمد بن حنبل لم يكن بالحافظ وقال إبن فضيل عنه من أئمة الشيعة الكبار ويقصد أنصار وليس الشيعة كمذهب, عمر كثيراً وروى إبن جرير عن يزيد إبن أبي زياد قال قتل الحسين وأنا إبن أربعة عشر سنة أو خمسة عشر سنة وعندي إنه ثقة رفاعاً لم يكن بالحافظ ينقل ما قيل عن شيعة علي إبن أبي طالب. ومحمد بن كعب القرظي من سبي يهود بني قريظة قُتل جميع أفراد عائلته هو ثقة. 
 ما دار بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين رؤساء قريش وتفسير لسورة الكهف
إستمرار قريش على تعذيب من أسلم
قال إبن إسحق: ثم إن الإسلام

جعل يفشوا بمكة في قبائل قريش في الرجال والنساء وقريش تحبس من قدرت على حبسه وتفتن من إستطاعت فتنته من المسلمين ثم إن أشراف قريش من كل قبيلة كما حدثني بعض أهل العلم عن سعيد بن جبير وعن عكرمة مولى إبن عباس عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال:

حديث رؤساء قريش مع الرسول  صلى الله عليه وسلم
إجتمع عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو سفيان بن حرب والنضر بن الحارث بن كلدة أخو بني عبد الدار وأبو البختري بن هشام والأسود بن المطلب بن أسد وزمعة بن الأسود والوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام وعبد الله إبن أبي أمية والعاص بن وائل ونبيه ومنبه إبنا الحجاج السهميان وأمية بن خلف أو من إجتمع منهم قال إجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة ثم قال بعضهم لبعض إبعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه فبعثوا إليه إن أشراف قومك قد إجتمعوا لك ليكلموك فأتهم فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعاً وهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلمهم فيه بداء وكان عليهم حريصاً يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم حتى جلس إليهم فقالوا له يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنكلمك وإنا والله ما نعلم رجلاً منالعرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك لقد شتمت الآباء وعبت الدين وشتمت الآلهة وسفهت الأحلام وفرقت الجماعة فما بقي أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك أو كما قالوا له فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نسودك علينا وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك وكانوا يسمون التابع من الجن رئيا فربما كان ذلك بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بي ما تقولون ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولاً وأنزل عليّ كتاباً وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم أو كما قال صلى الله عليه وسلم قالوا يا محمد فإن كنت غير قابل منا شيئاً مما عرضناه عليك فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلداً ولا أقل ماء ولا أشد عيشاً منا فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا وليبسط لنا بلادنا وليفجر لنا فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق وليبعث لنا من مضى من آبائنا وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب فإنه كان شيخ صدق فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك وعرفنا به منزلتك من الله وأنه بعثك رسولاً كما تقول فقال لهم صلوات الله وسلامه عليه ما بهذا بعثت إليكم إنما جئتكم من الله بما بعثني به وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم الله بيني وبينكم قالوا فإذا لم تفعل هذا لنا فخذ لنفسك سل ربك أن يبعث معك ملكاً يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك وسله فليجعل لك جناناً وقصوراً وكنوزاً من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي فإنك تقوم بالأسواق كما نقوم وتلتمس المعاش كما نلتمسه حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولاً كما تزعم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنا بفاعل وما أنا بالذي يسأل ربه هذا وما بعثت إليكم بهذا ولكن الله بعثني بشيراً ونذيراً أو كما قال فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم قالوا فأسقط السماء علينا كسفاً كما زعمت أن ربك إن شاء فعل فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك إلى الله إن شاء أن يفعله بكم فعل قالوا يا محمد أفما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ونطلب منك ما نطلب فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا به ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذ لم نقبل منك ما جئتنا به إنه قد بلغنا أنك إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبداً فقد أعذرنا إليك يا محمد وإنا والله لا نتركك وما بلغت منا حتى نهلكك أو تهلكنا وقال قائلهم نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا.
قال الإسماعيلي العظيم: السند صحيح وجملة رجل باليمامة يقال له الرحمان فيها نظر لأن المشركين إتهموا رسول الله محمد (ص) بأن العجم من اليهود والنصارى يعلمونه القران كما ورد في كتاب الله تعالى القران المجيد.

حديث عبد الله بن أبي أمية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
فلما قالوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم قام عنهم وقام معه عبد الله إبن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وهو إبن عمته فهو لعاتكة بنت عبد المطلب فقال له يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم ومنزلتك من الله فلم تفعل ثم سألوك أن تعجل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل أو كما قال له فوالله لا أومن بك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سلماً ثم ترقى فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها ثم تأتي معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول وأيم الله لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك ثم إنصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنصرف

رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزيناً آسفاً لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه ولما رأى من مباعدتهم إياه.

 أبو جهل يتوعد رسول الله صلى الله عليه وسلم
فلما قام عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو جهل يامعشر قريش إن محمداً قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا وشتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وشتم آلهتتا وإني أعاهد الله لأجلسن له غداً بحجر ما أطيق حمله أو كما قال فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه فأسلموني عند ذلك أو إمنعوني فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم قالوا والله لا نسلمك لشيء أبداً فإمض لما تريد فلما أصبح أبو جهل أخذ حجراً كما وصف ثم جلس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظره وغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يغدو وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وقبلته إلى الشام فكان إذا صلى صلى بين الركن اليماني والحجر الأسود وجعل الكعبة بينه وبين الشام فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إحتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع منهزماً منتقعاً لونه مرعوباً قد يبست يداه على حجره حتى قذف الحجر من يده وقامت إليه رجال قريش فقالوا له ما لك يا أبا الحكم قال قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل لا والله ما رأيت مثل هامته ولا مثل قصرته ولا أنيابه لفحل قط فهم بي أن يأكلني.
قال إبن إسحق: فذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك جبريل عليه السلام لو دنا لأخذه.
النضر بن الحارث ينصح قريشاً

فلما قال لهم ذلك أبو جهل قام النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي.
قال إبن هشام: ويقال النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف.
قال إبن إسحق: فقال يا معشر قريش إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد قد كان محمد فيكم غلاماً حدثاً أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثاً وأعظمكم أمانة حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم به قلتم ساحر لا والله ما هو بساحر لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم وقلتم كاهن لا والله ما هو بكاهن قد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم وقلتم شاعر لا والله ما هو بشاعر قد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها هزجه ورجزه وقلتم مجنون لا والله ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه ولا وسوسته ولا تخليطه يا معشر قريش فإنظروا في شأنكم فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم.

ما كان يؤذي به النضر بن الحارث رسول الله صلى الله عليه وسلم
وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش وممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وينصب له العداوة وكان قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس وأحاديث رستم وأسبنديار فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلساً فذكر فيه بالله وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله خلفه في مجلسه إذا قام ثم قال أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثاً منه فهلم إلي فأنا أحدثكم أحسن من حديثه ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم وأسبنديار ثم يقول بماذا محمد أحسن حديثاً مني.
قال إبن هشام: وهو الذي قال فيما بلغني سأنزل مثل ما أنزل الله قال.
إبن إسحاق: وكان إبن عباس رضي الله عنهما يقول فيما بلغني نزل فيه ثمان آيات من القرآن قول الله عز وجل ( إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ). وكل ما ذكر فيه من الأساطير من القرآن.

أرسلت قريش النضر وإبن أبي معيط إلى أحبار يهود يسألانهم عن محمد صلى الله عليه وسلم
فلما قال لهم ذلك النضر بن الحارث بعثوه وبعثوا معه عقبة إبن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة وقالوا لهما سلاهم عن محمد وصفا لهم صفته وأخبراهم بقوله فإنهم أهل الكتاب الأول وعندهم علم ليس عندنا من علم الأنبياء فخرجا حتى قدما المدينة فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وَوْصِفا لهم أمره وأخبراهم ببعض قوله وقالا لهم إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا فقالت لهما أحبار يهود سلوه عن ثلاث نأمركم بهن فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل وإن لم يفعل فالرجل متقول فروا فيه رأيكم سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم فإنه قد كان لهم حديث عجب وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه وسلوه عن الروح ما هي فإذا أخبركم بذلك فإتبعوه فإنه نبي وإن لم يفعل فهو رجل متقول فإصنعوا في أمره ما بدا لكم فأقبل النضر بن الحارث وعقبة إبن أبي معيط إبن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي حتى قدما مكة على قريش فقالا يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد قد أخبرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء أمرونا بها فإن أخبركم عنها فهو نبي وإن لم يفعل فالرجل متقول فروا فيه رأيكم.

سؤال قريش له صلى الله عليه وسلم عن أسئلة وإجابته لهم
فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول قد كانت لهم قصة عجب وعن رجل كان طوافاً قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها وأخبرنا عن الروح ما هي قال فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبركم بما سألتم عنه غداً ولم يستثن فإنصرفوا عنه فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يذكرون خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه في ذلك وحياً ولا يأتيه جبريل حتى أرجف أهل مكة وقالوا وعدنا محمد غداً واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحي عنه وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة ثم جاءه جبريل من الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم وخبر ما سألوه عنه من أمر الله، الفتية والرجل الطواف والروح.

 ما أنزل الله في قريش حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فغاب عنه الوحي مدة
قال إبن إسحاق: فذكر لي أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال لجبريل حين جاءه لقد إحتبست عني يا جبريل حتى سؤت ظناً فقال له جبريل: ( وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا ) فإفتتح السورة تبارك وتعالى بحمده وذكر نبوة رسوله لما أنكروه عليه من ذلك فقال: ( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ) يعني محمداً صلى الله عليه وسلم إنك رسول مني أي تحقيق لما سألوه عنه من نبوتك ( ولم يجعل له عوجا قيما ) أي معتدلاً لا إختلاف فيه ( لينذر بأساً شديداً من لدنه ) أي عاجل عقوبته في الدنيا وعذاباً أليماً في الآخرة أي من عند ربك الذي بعث رسولاً (ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً ماكثين فيه أبداً ) أي دار الخلد لا يموتون فيها الذين صدقوك بما جئت به مما كذبك به غيرهم وعملوا بما أمرتهم به من الأعمال ( وينذر الذين قالوا إتخذ الله ولداً ) يعني قريشاً في قولهم إنا نعبد الملائكة وهي بنات الله ( ما لهم به من علم ولا لآبائهم ) الذين أعظموا فراقهم وعيب دينهم ( كبرت كلمة تخرج من أفواههم ) أي لقولهم إن الملائكة بنات الله ( إن يقولون إلا كذباً فلعلك باخع نفسك ) يا محمد على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً أي لحزنه عليهم حين فاته ما كان يرجوا منهم أي لا تفعل.
قال إبن هشام: باخع نفسك أي مهلك نفسك فيما حدثني أبو عبيدة.
قال ذو الرمة :
ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه         لشيء نحته عن يديه المقادر
قال الإسماعيلي العظيم: الشعر لا بأس به وذو الرمة شاعر من العهد الأموي.
وجمعه باخعون وبخعة وهذا البيت في قصيدة له وتقول العرب قد بخعت له نصحي ونفسي أي جهدت له. ( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً )
قال إبن إسحق: أي أيهم أتبع لأمري وأعمل بطاعتي. ( وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً ) أي الأرض وإن ما عليها لفان وزائل وإن المرجع إلي فأجزي كلاً بعمله فلا تأس ولا يحزنك ما تسمع وترى فيها.
قال ابن هشام: الصعيد الأرض, وجمعه صُعد. قال ذو الرمة يصف ظبياً صغيراً:
كأنه بالضحى ترمي الصعيد به     دبابة في عظام الرأس خرطوم
وهذا البيت في قصيدة له.
قال الإسماعيلي العظيم: الشعر زين لذي الرمة.
والصعيد أيضاً: الطريق. وقد جاء في الحديث: إياكم والقعود على الصعدات يريد الطرق. والجرز: الأرض التي لا تنبت شيئاً وجمعها: أجراز. ويقال: سنة جرز وسنون أجراز وهي التي لا يكون فيها مطر وتكون فيها جدوبة ويبس وشدة. قال ذو الرمة يصف إبلاً:
طوى النحر والأجراز ما في بطونها     فما بقيت إلا الضلوع الجراشع
وهذا البيت في قصيدة له.
قال الإسماعيلي العظيم : الشعر لا بأس به.
إنتهى الجزء الخامس إضغط على رسالة أحدث في آخر الأسفل حتى تنتقل الى الجزء السادس وكذا لُم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الجزء الثامن جهاده معه صلى الله عليه وسلم وموته قال‏‏:‏‏ ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان معه بالمدينة حتى قبض الله ر...