الأربعاء، 4 يوليو 2018

الجزء الثامن
جهاده معه صلى الله عليه وسلم وموته

قال‏‏:‏‏ ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان معه بالمدينة حتى قبض الله رسوله صلى الله عليه وسلم.‏‏ فلما إرتدت العرب، خرج مع المسلمين، فسار معهم حتى فرغوا من طليحة، ومن أرض نجد كلها.‏‏ ثم سار مع المسلمين إلى اليمامة، ومعه إبنه عمرو بن الطفيل، فرأى رؤيا وهو متوجهٌ إلى اليمامة، فقال لأصحابه:‏‏ إني قد رأيت رؤيا فأعبروها لي، رأيت أن رأسي حُلق، وأنه خرج من فمي طائر، وأنه لقيتْني إمرأة فأدخلتني في فرجها، وأرى إبني يطلبني حثيثاً، ثم رأيته حُبس عني؛ قالوا:‏‏ خيراً؛ قال:‏‏ أما أنا والله فقد أولتها؛ قالوا:‏‏ ماذا‏‏ قال:‏‏ أما حَلْق رأسي فوضعه؛ وأما الطائر الذي خرج من فمي فروحي؛ وأما المرأة التي أدخلتني فرجها فالأرض تحفر لي، فأُغيَّب فيها؛ وأما طلب إبني إياي ثم حبسه عني، فإني أراه سيجهد أن يصيبه ما أصابني.‏‏ فقُتل رحمه الله شهيداً باليمامة، وجُرح إبنه جراحة شديدة، ثم إستبل منها، ثم قتل عام اليرموك في زمن عمر رضي الله عنه شهيداً.‏‏

قصة أعشى بني قيس بن ثعلبة

شعره في مدح رسول الله

قال إبن هشام: حدثني خلاد بن قرة بن خالد السدوسي، وغيره من مشايخ بكر بن وائل، عن أهل العلم، أن أعشى بني قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - يريد الإسلام، فقال يمدح النبي - صلى الله عليه وسلم:

ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا

وبت كما بات السليم مسهدا    

وما ذاك من عشق النساء وإنما

تناسيت قبل اليوم صحبةَ مهددا    

ولكن أرى الدهر الذي هو خائن

إذا أصلحت كفاي عاد فأفسدا    

كهولاً وشباناً فقدتُ وثروةً

فلله هذا الدهر كي ترددا   

وما زلت أبغي المال مذ أنا يافع

وليداً وكهلاً حين شبت وأمردا    

وأبتذل العيس المراقيل تغتلي

مسافة ما بين النجير فصرخدا    

ألا أيُهذا السائلي أين يَمّمتْ

فإن لها في أهل يثرب موعدا    

فإن تسألي عني فيا رب سائل

حفي عن الأعشى به حيث أصعدا    

أجدت برجليها النجاء وراجعت

يداها خنافاً ليناً غيرَ أحردا    

وفيها إذا ما هجّرت عجرفية

إذا خِلت حِرباء الظهيرة أصيدا    

وآليت لا آوي لها من كلالة

ولا من حفى حتى تلاقي محمدا    

متى ما تناخي عند باب إبن هاشم

تُراحي وتلْقى من فواضله ندى    

نبي يرى ما لا ترون وذكره

أغار لعمري في البلاد وأنجدا    

له صدقات ما تغب ونائل

فليس عطاء اليوم مانعه غدا    

أجدك لم تسمع وصاة محمد

نبي الإله حيث أوصى وأشهدا    

إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى

ولاقيت بعد الموت من قد تزودا    

ندمت على أن لا تكون كمثله

فترصد للأمر الذي كان أرصدا    

فإياك والميتات لا تقربنها

ولا تأخذن سهماً حديداً لتفصدا    

وذا النصب المنصوب لا تنسكنه

ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا    

ولا تقربن حرة كان سرها

عليك حراماً فانكحن أو تأبدا    

وذا الرحم القربى فلا تقطعنه   

لعاقبة ولا الأسير المقيدا    

وسبح على حين العشية والضحى

ولا تحمد الشيطان والله فاحمدا   

ولا تسخرن من بائس ذي ضرارة

ولا تحسبن المال للمرء مخلدا

قال إبن هشام: فلما كان بمكة أو قريباً منها، إعترضه بعض المشركين من قريش، فسأله عن أمره، فأخبره أنه جاء يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم - ليسلم، فقال له: يا أبا بصير إنه يحرم الزنا. فقال الأعشى: والله إن ذلك لأمر ما لي فيه من أرب. فقال: يا أبا بصير إنه يحرم الخمر. فقال الأعشى: أما هذه فوالله إن في النفس منها لعلالات، ولكني منصرف فأتروى منها عامي هذا، ثم آتيه فأسلم. فإنصرف، فمات في عامه ذلك، ولم يعد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم.       
قال الإسماعيلي العظيم: رواية إبن هشام ضعيفة في سندها خلاد مجهول. وإبن هشام يقل ومشائخ بكر بن وائل عن أهل العلم, والظاهر من الشعر أن أعشى قيس كان قاصداً رسول الله محمد (ص) في المدينة بعد الهجرة. أو في مكة وما ذكرُهُ يثرب في شعره إلا قبل الهجرة بأيام والله أعلم, ولكن إبن هشام لا يعتد برواياته, الشعر لأعشى بني قيس بن ثعلبة.

أبو جهل يَذِلُّ للرسول صلى الله عليه و سلم
قال إبن إسحق:‏‏ وقد كان عدو الله أبو جهل بن هشام مع عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبغضه إياه، وشدته عليه، يذله الله له إذا رآه. 

أبو جهل وأمر الإراشي الذي باعه الإبل

مماطلة أبي جهل الإراشي، واستنجاده بقريش، واستخفافهم بالرسول

قال إبن إسحق:‏‏ حدثني عبدالملك بن عبدالله إبن أبي سفيان الثقفي، وكان واعية، قال:‏‏ قدم رجل من إراش.

قال إبن هشام:‏‏ ويقال:‏‏ إراشة.
بإبل له مكة، فأبتاعها منه أبو جهل، فمطله بأثمانها.‏‏ فأقبل الإراشي حتى وقف على ناد من قريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في ناحية المسجد جالس، فقال:‏‏ يا معشر قريش، من رجل يؤديني على أبي الحكم بن هشام، فإني ‏ رجل غريب، إبن سبيل، وقد غلبني على حقي‏‏ قال:‏‏ فقال له أهل ذلك المجلس:‏‏ أترى ذلك الرجل الجالس - لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يهزءون به لما يعلمون ما بينه وبين أبي جهل من العداوة - إذهب إليه فإنه يؤديك عليه.

الرسول ينصف الإراشي من أبي جهل
فأقبل الإراشي حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:‏‏ يا عبدالله إن أبا الحكم بن هشام قد غلبني على حق لي قبله، وأنا رجل غريب إبن سبيل، وقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يؤديني عليه، يأخذ لي حقي منه، فأشاروا لي إليك، فخذ لي حقي منه، يرحمك الله؛ قال:‏‏ إنطلق إليه، وقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه قام معه‏‏.‏‏ قالوا لرجل ممن معهم:‏‏ إتبعه، فإنظر ماذا يصنع.‏‏ قال:‏‏ وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءه فضرب عليه بابه، فقال:‏‏ من هذا قال:‏‏ محمد، فإخرج إلي، فخرج إليه، وما في وجهه من رائحة، قد إنتقع لونه، فقال :‏‏ أعط هذا الرجل حقه قال:‏‏ نعم، لا تبرح حتى أعطيه الذي له، قال:‏‏ فدخل، فخرج إليه بحقه، فدفعه إليه.‏‏ قال:‏‏ ثم إنصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال للإراشي:‏‏ الحق بشأنك، فأقبل الإراشي حتى وقف على ذلك المجلس، فقال:‏‏ جزاه الله خيراً، فقد والله أخذ لي حقي. 

ما خافه أبو جهل من رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال:‏‏ وجاء الرجل الذي بعثوا معه، فقالوا:‏‏ ويحك‏‏ ماذا رأيت قال:‏‏ عجباً من العجب، والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه، فخرج إليه وما معه روحه، فقال له:‏‏ أعط هذا حقه، فقال:‏‏ نعم لا تبرح حتى أخرج إليه حقه، فدخل فخرج إليه بحقه، فأعطاه إياه.‏‏ قال:‏‏ ثم لم يلبث أبو جهل أن جاء فقالوا له:‏‏ ويلك ما لك والله ما رأينا مثل ما صنعت قط‏‏ قال:‏‏ ويحكم، والله ما هو إلا أن ضرب علي بابي، وسمعت صوته، فملئت رعباً، ثم خرجت إليه، وإن فوق رأسه لفحلاً من الإبل، ما رأيت مثل هامته، ولا قصرته، ولا أنيابه لفحل قط، والله لو أبيت لأكلني.‏‏
قال الإسماعيلي العظيم: عبد الملك بن عبد الله إبن أبي سفيان بن أسيد بن جارية الثقفي ثقة وهو إبن أبي سفيان بن جارية وعم أبيه العلاء بن جارية من أصحاب النبي محمد (ص) من المؤلفة أعطاه النبي (ص) مائة من الإبل قال إبن جريج إُخبرت أن عبد الملك حليف بني زهرة وقال بعضهم عبد الملك حديثه حجازي, ذكره البخاري في التاريخ الكبير قال إبن إسحق كان واعية جالس العلماء. إراش بطن من بطون خثعم وأيضاً من بطون قبيلة بلى شمال الحجاز. قصرته القصرة أصل العنق قاعدة رقبة البعير. 

 أمر ركانة المطلبي ومصارعته للنبي صلى الله عليه وسلم

غلبة النبي له, وآية الشجرة

قال إبن إسحق:‏‏ وحدثني أبي إسحق بن يسار، قال:‏‏ كان ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن عبدالمطلب بن عبد مناف أشد قريش، فخلا يوماً برسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض شعاب مكة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ يا ركانة، ألا تتقي الله وتقبل ما أدعوك إليه قال:‏‏ إني لو أعلم أن الذي تقول حق لإتبعتك؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ أفرأيت إن صرعتك، أتعلم أن ما أقول حق‏‏ قال:‏‏ نعم؛ قال:‏‏ فقم حتى أصارعك.‏‏ قال:‏‏ فقام إليه ركانة يصارعه؛ فلما بطش به رسول الله صلى الله عليه وسلم أضجعه، وهو لا يملك من نفسه شيئاً، ثم قال:‏‏ عد يا محمد، فعاد فصرعه، فقال:‏‏ يا محمد، والله إن هذا للعجب، أتصرعني‏‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ وأعجب من ذلك إن شئت أن أريكه، إن إتقيت الله واتبعت أمري قال:‏‏ ما هو قال:‏‏ أدعو لك هذه الشجرة التي ترى فتأتيني؛ قال:‏‏ ادعها، فدعاها، فأقبلت حتى وقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.‏‏ قال:‏‏ فقال لها:‏‏ إرجعي إلى مكانك.‏‏ قال:‏‏ فرجعت إلى مكانها. قال:‏‏ فذهب ركانة إلى قومه، فقال:‏‏ يا بني عبد مناف ساحروا بصاحبكم أهل الأرض، فوالله ما رأيت أسحر منه قط، ثم أخبرهم بالذي رأى والذي صنع.‏‏
قال الأسماعيلي العظيم: أما أمر الشجرة فلم يذكر في القران, وقد ذكر نحو ذلك في كتاب نهج البلاغة أن رسول الله محمد (ص) قد طلب منه مشركو قريش أن يأمر الشجرة بالسلام عليه ففعل. وفإنْ كانت هذه المعجزة قد وقعت لذكرت من مصادر موثوقة أو في القران لأنها معجزة. 

‏‏ قدوم وفد النصارى الذين أسلموا من الحبشة

أبو جهل يحاول ردهم عن الإسلام، و إخفاقه
قال إبن إسحق:‏‏ ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بمكة عشرون رجلاً أو قريب من ذلك من النصارى، حين بلغهم خبره من الحبشة، فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه وكلموه وسألوه، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة؛ فلما فرغوا من مسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا، دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل وتلا عليهم القرآن.‏‏ فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا لله، وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره.‏‏ فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش، فقالوا لهم:‏‏ خيبكم الله من ركب بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده، حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال، ما نعلم ركباً أحمق منكم.‏‏ أو كما قالوا.‏‏ فقالوا لهم:‏‏ سلام عليكم لا نجاهلكم لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه، لم نَأْلُ أنفسنا خيراً.‏‏


 مواطنهم و ما نزل فيهم من القرآن

ويقال:‏‏ إن النفر من النصارى من أهل نجران، فالله أعلم أي ذلك كان.‏‏ فيقال - والله أعلم - فيهم نزلت هؤلاء الآيات:‏‏ ‏‏(‏‏ الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون.‏‏ وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به, إنه الحق من ربنا، إنا كنا من قبله مسلمين ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏‏‏.‏‏‏‏.‏‏ إلى قوله ‏‏(‏‏ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين ‏‏)‏‏.‏‏

قال إبن إسحق:‏‏ وقد سألت إبن شهاب الزهري عن هؤلاء الآيات فيمن أنزلن، فقال لي:‏‏ ما أسمع من علمائنا أنهن أنزلن في النجاشي وأصحابه.‏‏ والآية من سورة المائدة من قوله:‏‏ ‏‏(‏‏ ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا، وأنهم لا يستكبرون ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏‏‏.‏‏‏‏.‏‏ إلى قوله‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ فاكتبنا مع الشاهدين ‏‏)‏‏.‏‏

 تهكم المشركين بالمستضعفين، وما نزل في ذلك
قال إبن إسحق:‏‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في المسجد، فجلس إليه المستضعفون من أصحابه:‏‏ خباب، وعمار، وأبو فكيهة يسار مولى صفوان بن أمية بن محرث، وصهيب، وأشباههم من المسلمين، هزئت بهم قريش، وقال بعضهم لبعض:‏‏ هؤلاء أصحابه كما ترون، أهؤلاء مْنّ الله عليهم من بيننا بالهدى والحق‏‏ لو كان ما جاء به محمدٌ خيراً ما سبقنا هؤلاء إليه، وما خصهم الله به دوننا.‏‏
فأنزل الله تعالى فيهم:‏‏ ‏‏(‏‏ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ما عليك من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين، وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا، أليس الله بأعلم بالشاكرين.‏‏ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا، فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه ‏الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم ‏‏)‏‏.‏‏ 

 ادعاء المشركين على النبي أنه يعلمه بشر ، ورد القرآن عليهم

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني, - كثيراً ما يجلس عند المروة إلى مَبْيَعة غلام نصراني، يقال له:‏‏ جبر، عبد لبني الحضرمي، فكانوا يقولون:‏‏ والله ما يُعلِّم محمداً كثيراً مما يأتي به إلا جبر النصراني، غلام بنى الحضرمي.‏‏

فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم:‏‏ ‏‏(‏‏ ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر، لسان الذي يلحدون إليه أعجمي، وهذا لسان عربي مبين ‏‏)‏‏.‏‏

قال إبن هشام:‏‏ يلحدون إليه:‏‏ يميلون إليه.‏‏ والإلحاد:‏‏ الميل عن الحق.‏‏

قال رؤبة بن العجاج:‏‏

إذا تبع الضحاك كل ملحد  

قال إبن هشام:‏‏ يعني الضحاك الخارجي، وهذا البيت في أرجوزة له.‏‏
قال الإسماعيلي العظيم: قصة جبر قد تكن صحية لأن رسالة الأنبياء وتعاليمهم واحدة من عند الله تعالى, فظن مشركو قريش أن رسولة الله محمد (ص) يأخذ دينه من الغلام جبر النصراني لكثرة العبيد الحبشة الذين إبتاعوا الى العرب بسبب الغزو الفارسي لليمن أو بسبب بقايا جيش إبرهة الحبشي.

سبب نزول سورة الكوثر
مقالة العاص في الرسول, ونزول سورة الكوثر
قال إبن إسحق:‏‏ وكان العاص بن وائل السهمي - فيما بلغني - إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:‏‏ دعوه، فإنما هو رجل أبتر لا عقب له، لو مات لإنقطع ذكره واسترحتم منه، فأنزل الله في ذلك:‏‏ ‏‏(‏‏ إنا أعطيناك الكوثر ‏‏)‏‏ ما هو خير لك من الدنيا وما فيها.‏‏ والكوثر‏‏:‏‏ العظيم.‏‏
معنى الكوثر
قال إبن إسحق:‏‏ قال لبيد بن ربيعة الكلابي:‏‏
وصاحب ملحوب فجعنا بيومه *
وعند الرداع بيت آخر كوثر
يقول:‏‏ عظيم.‏‏
قال الإسماعيلي العظيم: محلوب ماء لإحدى قبائل العرب. والرداع ماء لبني الأعرج بن كعب.
قال إبن هشام:‏‏ وهذا البيت في قصيدة له.‏‏ وصاحب ملحوب:‏‏ عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب، مات بملحوب‏‏.‏‏ وقوله:‏‏ ‏‏(‏‏ وعند الرداع بيت آخر كوثر ‏‏)‏‏:‏‏ يعني شريح بن الأحوص بن جعفر بن كلاب، مات بالرداع.‏‏ وكوثر:‏‏ أراد الكثير.‏‏ ولفظه مشتق من لفظ الكثير.‏‏ قال الكميت بن زيد يمدح هشام بن عبدالملك بن مروان:‏‏
وأنت كثير ياإبن مروان طيب *
وكان أبوك إبن العقائل كوثرا
وهذا البيت في قصيدة له.‏‏ وقال أمية إبن أبي عائذ الهذلي يصف حمار وحش:‏‏ ‏
يحامي الحقيق إذا ما احتدمن *
وحمحمن في كوثر كالجلال
يعني بالكوثر:‏‏ الغبار الكثير، شبهه لكثرته عليه بالجلال.‏‏ وهذا البيت في قصيدة له.‏‏
قال الإسماعيلي العظيم: الجلال ما يكسوا الدابة من كساء ونحوه, أو ماتحمله الدابة من حمول, فنحن في جنوب العراق عشائر الهوسات نسمي ما تحمله الدابة او غيرها من حمُلة جلة جمع جلال وهي الزنبيل من خوص والجلة من ليف ونحوه.
سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكوثر ما هو فأجاب
قال إبن إسحق:‏‏ حدثني جعفر بن عمرو 
قال إبن هشام:‏‏ هو جعفر بن عمرو بن أمية الضمري.
عن عبدالله بن مسلم أخي محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أنس بن مالك، قال:‏‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل له:‏‏ يا رسول الله، ما الكوثر الذي أعطاك الله قال:‏‏ نهر كما بين صنعاء إلى أيلة، آنيته كعدد نجوم السماء، ترده طيور لها أعناق كأعناق الإبل.‏‏ قال:‏‏ يقول عمر بن الخطاب:‏‏ إنها يا رسول الله لناعمة؛ قال:‏‏ آكلها أنعم منها.‏‏
قال إبن إسحق:‏‏ وقد سمعت في هذا الحديث أو غيره أنه قال صلى الله عليه وسلم:‏‏ من شرب منه لا يظمأ أبدا.‏‏
قال الإسماعيلي العظيم: جعفر بن عمرو بن أمية الضمري هو إبن الصحابي عمرو بن أمية رضي الله عنه, الناجي الوحيد في سرية بئر معونة, وقد بعثه رسول الله محمد (ص) الى قريش في سرية وحده لقتل أبي سفيان في مكة. عبد الله بن مسلم ثقة قال عنه إبن معين ليس بالقوي, قتله إبنه وغلمانه من أجل ماله سنة سبع وخمسين ومائة رحمه الله. السند مضطرب لأن جعفر بن عمر بن أمية الضمري إبن صحابي فكيف يروي عن ما هو دونه مثل عبد الله بن مسلم الزهري.
نزول ‏‏(‏‏ وقالوا لولا أنزل عليه ملك ‏‏)‏‏
مقالة زمعة و صحبه، و نزول هذه الآية
قال إبن إسحق:‏‏ ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه إلى الإسلام، وكلمهم فأبلغ إليهم، فقال له زمعة بن الأسود، والنضر بن الحارث، والأسود بن عبد يغوث، وأُبي بن خلف، والعاص بن وائل:‏‏ لو جُعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويُرى معك‏‏ فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم:‏‏ ‏‏(‏‏ وقالوا لولا أُنزل عليه ملك، ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون، ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً، وللبسنا عليهم ما يلبسون ‏‏)‏‏.‏‏

 نزول ‏‏(‏‏ ولقد استهزىء برسل من قبلك ‏‏)‏‏

مقالة الوليد وصحبه، و نزول هذه الآية

قال إبن إسحق:‏‏ ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - بالوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، وبأبي جهل بن هشام ، فهمزوه واستهزءوا به، فغاظه ذلك.‏‏ فأنزل الله تعالى عليه في ذلك من أمرهم:‏‏ ‏‏(‏‏ ولقد استهزىء برسل من قبلك، فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون ‏‏)‏‏.‏‏ ‏

 ذكر الإسراء والمعراج

قال إبن هشام:‏‏ حدثنا زياد بن عبدالله البكائي عن محمد بن إسحق المطلبي قال:‏‏ ثم أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهو بيت المقدس من إيلياء، وقد فشا الإسلام بمكة في قريش، وفي القبائل كلها.‏‏

قال إبن إسحق:‏‏ كان من الحديث فيما بلغني عن مسراه صلى الله عليه وسلم، عن عبدالله بن مسعود، وأبي سعيد الخدري، وعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ومعاوية إبن أبي سفيان، والحسن إبن أبي الحسن البصري، وإبن شهاب الزهري، وقتادة وغيرهم من أهل العلم، وأم هانئ بنت أبي طالب، ما اجتمع في هذا الحديث، كل يحدث عنه بعض ما ذكر من أمره حين أُسري به صلى الله عليه وسلم، وكان في مسراه، وما ذكر عنه بلاء وتمحيص، وأمر من أمر الله عز وجل في قدرته وسلطانه، فيه عبرة لأولي الألباب، وهدى ورحمة وثبات لمن آمن وصدق، وكان من أمر الله سبحانه ‏وتعالى على يقين، فأسرى به سبحانه وتعالى كيف شاء، ليريه من آياته ما أراد، حتى عاين ما عاين من أمره وسلطانه العظيم، وقدرته التي يصنع بها ما يريد.‏‏

‏‏ رواية عبدالله بن مسعود عن الإسراء

فكان عبدالله بن مسعود - فيما بلغني عنه يقول:‏‏

أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبراق - وهي الدابة التي كانت تحُمل عليها الأنبياء قبله، تضع حافرها في منتهى طرفها فحُمل عليها، ثم خرج به صاحبه، يرى الآيات فيما بين السماء والأرض، حتى انتهى إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم الخليل وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء قد جمُعوا له، فصلى بهم.‏‏ ثم أُتي بثلاثة آنية، إناء فيه لبن، وإناء فيه خمر، وإناء فيه ماء.‏‏ قال:‏‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ فسمعت قائلاً يقول حين عُرضت علي:‏‏ إن أخذ الماء غرق وغرقت أمته، وإن أخذ الخمر غوى وغوت أمته، وإن أخذ اللبن هُدي وهديت أمته.‏‏ قال:‏‏ فأخذت إناء اللبن، فشربت منه، فقال لي جبريل عليه السلام:‏‏ هُديت وهديت أمتك يا محمد.‏‏
قال الإسماعيلي العظيم: رواية اللبن والخمر والماء باطلة لا أساس لها من الصحة وإن صح سندها, من تراث الأمم السابقة.

 رواية الحسن عن مسراه صلى الله عليه و سلم

قال إبن إسحق:‏‏ وحُدثت عن الحسن أنه قال:‏‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ بينا أنا نائم في الحجر، إذ جاءني جبريل، فهمزني بقدمه، فجلست فلم أر شيئاً، فعدت إلى مضجعي، فجاءني الثانية فهمزني بقدمه، فجلست ولم أر شيئاً، فعدت إلى مضجعي، فجاءني الثالثة فهمزني بقدمه، فجلست، فأخذ بعضدي، فقمت معه، فخرج بي إلى باب المسجد، فإذا دابة أبيض، بين البغل والحمار، في فخذيه جناحان يحفز بهما رجليه، يضع يده في منتهى طرفه، فحملني عليه، ثم خرج معي لا يفوتني ولا أفوته.‏‏

 رواية قتادة عن مسراه صلى الله عليه و سلم

قال إبن إسحق:‏‏ وحُدثت عن قتادة أنه قال:‏‏ حُدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:‏‏ لما دنوت منه لأركبه شَـمَسَ، فوضع جبريل يده على مَعرفته، ثم قال:‏‏ ألا تستحي يا براق مما تصنع، فوالله ما ركبك عبد لله قبل محمد أكرم عليه منه.‏‏ قال:‏‏ فاستحيا حتى أرفضّ عرقاً، ثم قر حتى ركبته.‏‏
قال الإسماعيلي العظيم: رواية الدابة البراق وفي فخذيها جناحان باطلة مسروقة من تراث الأمم الأعجمية بسبب أن رواتها من النصارى الأعاجم والمجوس, فمن يصدقها لا عقل له.

عودة إلى رواية الحسن

قال الحسن في حديثه:‏‏ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومضى جبريل عليه السلام معه، حتى انتهى به إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء، فأمَّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم، ثم أُتي بإناءين، في أحدهما خمر، وفي الآخر لبن‏‏.‏‏ قال:‏‏ فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إناء اللبن، فشرب منه، وترك إناء الخمر.‏‏ قال:‏‏ فقال له جبريل‏‏:‏‏ هديت للفطرة، وهديت أمتك يا محمد، وحرمت عليكم الخمر.‏‏ ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فلما أصبح غدا على قريش فأخبرهم الخبر.‏‏ فقال أكثر الناس:‏‏ هذا والله الإمْر البين، والله إن العير لتطرد، شهراً من مكة إلى الشام مدبرة، وشهراً مقبلة، أفيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة، ويرجع إلى مكة قال:‏‏ فارتد كثير ممن كان أسلم، وذهب الناس إلى أبي بكر، فقالوا له:‏‏ هل لك يا أبا بكر في صاحبك، يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة.‏‏ قال:‏‏ فقال لهم‏ أبو بكر:‏‏ إنكم تكذبون عليه؛ فقالوا:‏‏ بلى، ها هو ذاك في المسجد يحدث به الناس فقال أبو بكر:‏‏ والله لئن كان قاله لقد صدق، فما يُعجبكم من ذلك‏‏ فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من الله من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدّقه، فهذا أبعد مما تعجبون منه، ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:‏‏ يا نبي الله، أحدثت هؤلاء القوم أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة قال:‏‏ نعم قال:‏‏ يا نبي الله، فصفه لي، فإني قد جئته قال الحسن:‏‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ فرُفع لي حتى نظرت إليه فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفه لأبي بكر، ويقول أبو بكر:‏‏ صدقت، أشهد أنك رسول الله، كلما وصف له منه شيئاً، قال‏‏:‏‏ صدقت، أشهد أنك رسول الله، حتى إذا انتهى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر:‏‏ وأنت يا أبا بكر الصديق فيومئذ سماه الصديق.

قال الحسن‏‏:‏‏ وأنزل الله تعالى فيمن ارتد عن إسلامه لذلك:‏‏ ‏‏(‏‏ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس، والشجرة الملعونة في القرآن، ونخوفهم، فما يزيد إلا طغياناً كبيراً ‏‏)‏‏.‏‏

فهذا حديث الحسن عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم.‏‏ وما دخل فيه من حديث قتادة.‏‏
قال الإسماعيلي العظيم: الرؤيا في الإية هي رؤيا العين وليست رؤيا منام ولا تخص الإسراء بذاته بل في حدث وقع في الإسراء أو في غيره.

‏‏ رواية عائشة عن مسراه صلى الله عليه و سلم

قال إبن إسحق:‏‏ حدثني بعض آل أبي بكر:‏‏ أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت تقول:‏‏ ما فُقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الله أسرى بروحه.‏‏
قال الإسماعيلي العظيم: هذه الرواية باطلة ولا تصح عن أم المؤمنين زوج النبي محمد (ص) لأن رسول الله المعدي محمد (ص) أسري به بنفسه جسداً وروحاً كما جاء في القران صراحة فمن كذبها فقد كذب القران.

رواية معاوية عن مسراه صلى الله عليه و سلم

قال إبن إسحق:‏‏ وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس:‏‏ أن معاوية إبن أبي سفيان، كان إذا سئل عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:‏‏ كانت رؤيا من الله تعالى صادقة ‏‏.‏‏
قال الإسماعيلي العظيم: المقصود من رؤيا من الله صادقة أي إنها رأي العين وإن كان القصد من الرؤيا في المنام فالرواية باطلة. يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي المدني أحد العلماء بالسيرة روى عن عروة وعكرمة ويزيد بن هرمز ورأى السائب بن يزيد  وروى عنه إبن إسحق وإبن الماجشون وأبراهيم بن سعد والوليد بن مسافر وآخرون. وكان ذا علم وورع ينظر في أمر الصدقات. وثقه إبن معين وغيره. توفي سنة ثمان وعشرين ومائة. فبينه وبين معاوية رجل واحد أو إنه ولد قل موت معاوية بقليل ولكن رواية إبن إسحق يرويها إبن هشام والخلل فيه.

 جواز أن يكون الإسراء رؤيا

فلم يُنكر ذلك من قولهما، لقول الحسن:‏‏ إن هذه الآية نزلت في ذلك، قول الله تبارك وتعالى:‏‏ ‏‏(‏‏ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ‏‏)‏‏، ولقول الله تعالى في الخبر عن إبراهيم عليه السلام إذ قال لإبنه:‏‏ ‏‏(‏‏ يا بُنيّ إني أرى في المنام أني أذبحك ‏‏)‏‏ ثم مضى على ذلك.‏‏ فعرفت أن الوحي من الله يأتي الأنبياء أيقاظاً ونياماً.‏‏

قال إبن إسحق:‏‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني - يقول:‏‏ تنام عيناي وقلبي يقظان.‏‏ والله أعلم أي ذلك كان قد جاءه، وعاين فيه ما عاين، من أمر الله، على أي حاليه كان:‏‏ نائماً، أو يقظان، كل ذلك حق وصدق.‏‏ 

وصفه صلى الله عليه وسلم لإبراهيم وموسى وعيسى

قال إبن إسحق:‏‏ وزعم الزهرى عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف لأصحابه إبراهيم وموسى وعيسى حين رآهم في تلك الليلة، فقال:‏‏ أما إبراهيم، فلم أر رجلاً أشبه قط بصاحبكم، ولا صاحبكم أشبه به منه؛ وأما موسى، فرجل آدم طويل ضرب جعد أقنى كأنه من رجال شنوءة؛ وأما عيسى بن مريم، فرجل أحمر، بين القصير والطويل، سبط الشعر، كثير خِيلان الوجه، كأنه خرج من ديماس، تخال رأسه يقطر ماء، وليس به ماء، أشبه رجالكم به عروة بن مسعود الثقفي‏‏.‏‏

 علي يصف الرسول صلى الله عليه وسلم

قال إبن هشام:‏‏ وكانت صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر عمر مولى غفرة عن إبراهيم بن محمد بن علي بن أبي طالب، قال:‏‏ كان علي بن أبي طالب عليه السلام، إذا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:‏‏ لم يكن بالطويل الممغَّط، ولا القصير المتردد‏‏.‏‏ وكان ربعة من القوم، ولم يكن بالجعد القطط ولا السبط، كان جعداً رجلاً، ولم يكن بالمطهَّم ولا المكلثم، وكان أبيض مشرباً، أدعج العينين، أهدب الأشفار، جليل المشاش والكتد، دقيق المسربة، أجرد شَثْن الكفين والقدمين، إذا مشى تقلع، كأنما يمشي في صبب، وإذا التفت التفت معاً، بين كتفيه خاتم النبوة، وهو صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، أجود الناس كفاً، وأجرأ الناس صدراً، وأصدق الناس لهجة، وأوفى الناس ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه أحبه، يقول ناعته:‏‏ لم أر قبله ولا بعده مثله، صلى الله عليه وسلم.‏‏

 رواية أم هانئ عن الإسراء

قال محمد بن إسحاق:‏‏ وكان فيما بلغني عن أمر أُم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها، واسمها هند، في مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنها كانت تقول:‏‏ ما أُسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو في بيتي، نام عندي تلك الليلة في بيتي، فصلى العشاء الآخرة، ثم نام ونمنا، فلما كان قبيل الفجر أهبَّنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلما صلى الصبح وصلينا معه، قال:‏‏ يا أم هانىء، لقد ‏صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه، ثم قد صليت صلاة الغداة معكم الآن كما ترين، ثم قام ليخرج، فأخذت بطرف ردائه، فتكشَّف عن بطنه كأنه قُبطية مطوية، فقلت له:‏‏ يا نبي الله، لا تحدث بهذا الناس فيكذبوك ويؤذوك؛ قال:‏‏ والله لأحدثنهموه.‏‏

قالت:‏‏ فقلت لجارية لي حبشية:‏‏ ويحك اتبعي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تسمعي ما يقول للناس، وما يقولون له.‏‏ فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس أخبرهم، فعجبوا وقالوا:‏‏ ما آية ذلك يا محمد فإنا لم نسمع بمثل هذا قط؛ قال:‏‏ آية ذلك أني مررت بعير بني فلان بوادي كذا وكذا، فأنفرهم حس الدابة، فندَّ لهم بعير، فدللتهم عليه، وأنا موجَّه إلى الشام‏‏.‏‏

ثم أقبلت حتى إذا كنت بضجنان مررت بعير بني فلان، فوجدت القوم نياماً، ولهم إناء فيه ماء قد غطوا عليه بشيء، فكشفت غطاءه وشربت ما فيه، ثم غطيت عليه كما كان؛ وآية ذلك أن عيرهم الآن يصوب من البيضاء، ثنية التنعيم، يقدمها جمل أورق، عليه غرارتان، إحداهما سوداء، والآخرى برقاء.‏‏ قالت:‏‏ فابتدر القوم الثنية فلم يلقهم أولُ من الجمل كما وصف لهم، وسألوهم عن الإناء، فأخبروهم أنهم وضعوه مملوءاً ماء ثم غطوه، وأنهم هبوا فوجدوه مغطى كما غطوه، ولم يجدوا فيه ماء‏‏.‏‏ وسألوا الآخرين وهم بمكة، فقالوا:‏‏ صدق والله، لقد أُنْفرنا في الوادي الذي ذكر، وندّ لنا بعير، فسمعنا صوت رجل يدعونا إليه، حتى أخذناه.‏‏

 قصة المعراج

 الرسول صلى الله عليه وسلم يصعد إلى السماء الأولى ‏‏(‏‏ حديث الخدري عن المعراج ‏‏)‏‏
قال إبن إسحق:‏‏ وحدثني من لا أتهم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال:‏‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:‏‏ لما فرغت مما كان في بيت المقدس، أُتي بالمعراج، ولم أر شيئاً قط أحسن منه، وهو الذي يمد إليه ميتكم عينيه إذا حُضر، فأصعدني صاحبي فيه، حتى انتهى بي إلى باب من أبواب السماء، يقال له‏‏:‏‏ باب الحفظة، عليه ملك من الملائكة، يقال له‏‏:‏‏ إسماعيل، تحت يديه اثنا عشر ألف ملك، تحت يدي كل ملك منهم اثنا عشر ألف ملك- قال:‏‏ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حدث بهذا الحديث:‏‏ وما يعلم جنود ربك إلا هو- فلما دُخل بي، قال:‏‏ من هذا يا جبريل قال:‏‏ هذا محمد.‏‏ قال:‏‏ أوقد بُعث قال:‏‏ نعم.‏‏ قال‏‏:‏‏ فدعا لي بخير، وقاله. 

صفة مالك خازن النار

قال إبن إسحق:‏‏ وحدثني بعض أهل العلم عمن حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال:‏‏ تلقتني الملائكة حين دخلت السماء الدنيا، فلم يلقني ملك إلا ضاحكا مستبشراً، يقول ‏خيراً ويدعو به، حتى لقيني ملك من الملائكة، فقال مثل ما قالوا، ودعا بمثل ما دعوا به، إلا أنه لم يضحك، ولم أر منه من البِشْر مثل ما رأيت من غيره، فقلت لجبريل:‏‏ يا جبريل من هذا الملك الذي قال لي كما قالت الملائكة ولم يضحك إلي، ولم أر منه من البشر مثل الذي رأيت منهم قال:‏‏ فقال لي جبريل:‏‏ أما إنه لو ضحك إلى أحد كان قبلك، أو كان ضاحكاً إلى أحد بعدك، لضحك إليك، ولكنه لا يضحك، هذا مالك صاحب النار.‏‏


 من صفات جهنم أعاذنا الله منها

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ فقلت لجبريل، وهو من الله تعالى بالمكان الذي وصف لكم ‏‏(‏‏ مطاع ثم أمين ‏‏)‏‏ ‏‏:‏‏ ألا تأمره أن يُريني النار فقال:‏‏ بلى، يا مالك، أرِ محمدا النار.‏‏ قال:‏‏ فكشف عنها غطاءها، فقال:‏‏ ففارت وارتفعت، حتى ظننت لتأخذن ما أرى.‏‏ قال:‏‏ فقلت لجبريل:‏‏ يا جبريل، مُرْه فليردها إلى مكانها.‏‏ قال:‏‏ فأمره، فقال لها:‏‏ اخبي، فرجعت إلى مكانها الذي خرجت منه.‏‏ فما شبَّهت رجوعها إلا وقوع الظل.‏‏ حتى إذا دخلت من حيث خرجت رد عليها غطاءها‏‏.

عرض الأرواح على آدم عليه السلام،(‏‏ و عود إلى حديث الخدري عن المعراج ‏‏)‏‏

وقال أبو سعيد الخدري في حديثه:‏‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:‏‏ لما دخلت السماء الدنيا، رأيت بها رجلاً جالساً تُعرض عليه أرواح بني آدم، فيقول لبعضها إذا عُرضت عليه خيراً ويُسّر به، ويقول:‏‏ روح طيبة خرجت من جسد طيب؛ ويقول لبعضها إذا عُرضت عليه:‏‏ أف، ويعبس بوجهه ويقول:‏‏ روح ‏خبيثة خرجت من جسد خبيث.‏‏ قال:‏‏ قلت:‏‏ من هذا جبريل‏‏ قال:‏‏ هذا أبوك آدم، تعرض عليه أرواح ذريته، فإذا مرت به روح المؤمن منهم سر بها.‏‏ وقال:‏‏ روح طيبة خرجت من جسد طيب.‏‏ وإذا مرت به روح الكافر منهم أفَّف منها وكرهها، وساءه ذلك، وقال:‏‏ روح خبيثة خرجت من جسد خبيث.‏‏

 صفة أكلة أموال اليتامى ظلماً

قال:‏‏ ثم رأيت رجالاً لهم مشافر كمشافر الإبل، في أيديهم قطع من نار كالأفهار، يقذفونها في أفواههم، فتخرج من أدبارهم.‏‏ فقلت:‏‏ من هؤلاء يا جبريل قال‏‏:‏‏ هؤلاء أكلة أمول اليتامى ظلماً‏‏.‏‏

 صفة أكلة الربا

قال:‏‏ ثم رأيت رجالاً لهم بطون لم أر مثلها قط بسبيل آل فرعون، يمرون عليهم كالإبل المهيومة حين يُعرضون على النار، يطئونهم لا يقدرون على أن يتحولوا من مكانهم ذلك.‏‏ قال:‏‏ قلت:‏‏ من هؤلاء يا جبريل قال:‏‏ هؤلاء أكلة الربا.‏‏

 صفة الزناة من بني آدم

قال:‏‏ ثم رأيت رجالاً بين أيديهم لحم ثـمين طيب، إلى جنبه لحم غث منتن، يأكلون من الغث المنتن، ويتركون السمين الطيب.‏‏ قال:‏‏ قلت:‏‏ من هؤلاء يا جبريل قال:‏‏ هؤلاء الذين يتركون ما أحل الله لهم من النساء، ويذهبون إلى ما حرم الله عليهم منهن.‏‏ ‏

 من نسبت إبنا لزوجها من غيره

قال:‏‏ ثم رأيت نساء معلقات بثديهنّ، فقلت:‏‏ من هؤلاء يا جبريل قال:‏‏ هؤلاء اللاتي أدخلن على الرجال من ليس من أولادهم.‏‏

قال إبن إسحق:‏‏ وحدثني جعفر بن عمرو، عن القاسم بن محمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:‏‏ إشتد غضب الله على امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم، فأكل حرائبهم، واطلع على عوراتهم.‏‏
قال الإسماعيلي العظيم: السند صحيح فيه جعفر بن عمرو بن أمية الضمري المدني أخو عبد الملك بن مروان من الرضاعة تابعي ثقة من كبار التابعين مات في خلافة الوليد بن عبد الملك, كما في تهذيب التهذيب. والقاسم بن محمد إبن أبي بكر الصديق حفيد الخليفة الراشدي الإول وإبنته أم فروة أم الإمام جعفر الصادق عليه السلام.

 صعوده صلى الله عليه وسلم إلى السماوات الآخرة ، وما رأى منها

ثم رجع إلى حديث أبي سعيد الخدري، قال:‏‏ ثم أصعدني إلى السماء الثانية، فإذا فيها إبنا الخالة:‏‏ عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا، قال:‏‏ ثم أصعدني إلى السماء الثالثة، فإذا فيها رجل صورته كصورة القمر ليلة البدر؛ قال:‏‏ قلت:‏‏ من هذا يا جبريل قال:‏‏ هذا أخوك يوسف بن يعقوب.‏‏ قال:‏‏ ثم أصعدني إلى السماء الرابعة، فإذا فيها رجل فسألته:‏‏ ‏من هو قال:‏‏ هذا إدريس- قال:‏‏ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ ورفعناه مكاناً علياً- قال:‏‏ ثم أصعدني إلى السماء الخامسة فإذا فيها كهل أبيض الرأس واللحية، عظيم العثنون، لم أر كهلاً أجمل منه؛ قال:‏‏ قلت‏‏:‏‏ من هذا يا جبريل‏‏ قال هذا المحبَّب في قومه هارون بن عمران.‏‏ قال:‏‏ ثم أصعدني إلى السماء السادسة، فإذا فيها رجل آدم طويل أقنى، كأنه من رجال شنوءة؛ فقلت له:‏‏ من هذا يا جبريل قال:‏‏ هذا أخوك موسى بن عمران.‏‏ ثم أصعدني إلى السماء السابعة، فإذا فيها كهل جالس على كرسي إلى باب البيت المعمور، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يرجعون فيه إلى يوم القيامة.‏‏ لم أر رجلاً أشبه بصاحبكم، ولا صاحبكم أشبه به منه؛ قال:‏‏ قلت‏‏:‏‏ من هذا يا جبريل قال:‏‏ هذا أبوك إبراهيم.‏‏ قال:‏‏ ثم دخل بي الجنة، فرأيت فيها جارية لعساء، فسألتها:‏‏ لمن أنت‏‏ وقد أعجبتني حين رأيتها؛ فقالت:‏‏ لزيد بن حارثة، فبشَّر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة.‏‏ ‏

 فرض الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم

قال إبن إسحق:‏‏ ومن حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما بلغني‏‏:‏‏ أن جبريل لم يصعد به إلى سماء من السماوات إلا قالوا له حين يستأذن في دخولها:‏‏ من هذا يا جبريل فيقول‏‏:‏‏ محمد؛ فيقولون:‏‏ أوقد بعث إليه فيقول:‏‏ نعم؛ فيقولون:‏‏ حياه الله من أخ وصاحب حتى انتهى به إلى السماء السابعة، ثم انتهى به إلى ربه، ففرض عليه خمسين صلاة في كل يوم.‏‏

 موسى بن عمران عليه السلام يطلب من النبي عليه الصلاة والسلام سؤال ربه التخفيف عن أمته في أمر الصلاة

قال:‏‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ فأقبلت راجعاً، فلما مررت بموسى بن عمران، ونعم الصاحب كان لكم، سألني كم فُرض عليك من الصلاة فقلت:‏‏ خمسين صلاة كل يوم؛ فقال:‏‏ إن الصلاة ثقيلة، وإن أمتك ضعيفة، فارجع إلى ربك، فاسأله أن يخفف عنك وعن أمتك.‏‏ فرجعت فسألت ربي أن يخفف عني وعن أمتي، فوضع عني عشراً.‏‏ ثم انصرفت فمررت على موسى فقال لي مثل ذلك؛ فرجعت فسألت ربي، أن يخفف عني وعن أمتي، فوضع عني عشراً.‏‏ ثم انصرفت فمررت على موسى فقال لي مثل ذلك؛ فرجعت فسألت ربي، فوضع عني عشراً.‏‏ ثم لم يزل يقول لي مثل ذلك، كلما رجعت إليه، قال:‏‏ فارجع فاسأل ربك، حتى انتهيت إلى أن وضع ذلك عني، إلا خمس صلوات في كل يوم وليلة.‏‏ ثم رجعت إلى موسى، فقال لي مثل ذلك، فقلت:‏‏ قد راجعت ربي وسألته، حتى استحييت منه، فما أنا بفاعل.‏‏

فمن أَدَّاهنّ منكم إيماناً بهن، واحتساباً لهن، كان له أجر خمسين صلاة مكتوبة. 
قال الإسماعيلي العظيم: إن الصلاة كتبها الله تعالى على المؤمنين فلا تخفيف فيها لأحد والرواية باطلة ليست من كلام النبوة.

المستهزئون بالرسول، وكفاية الله أمرهم

قال إبن إسحق:‏‏ فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله تعالى صابراً محتسباً، مؤدياً إلى قومه النصيحة على ما يلقى منهم من التكذيب والأذى والاستهزاء.‏‏ وكان عظماء المستهزئين، كما حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، خمسة نفر من قومهم، وكانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم.‏‏

 أسماء المستهزئين بالرسول من بني أسد

من بني أسد بن عبدالعزى بن قصي بن كلاب:‏‏ الأسود بن المطلب بن أسد أبو زمعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - قد دعا عليه لما كان يبلغه من أذاه واستهزائه به، فقال:‏‏ اللهم أَعمِ بصره، وأثكله ولده.‏‏

المستهزئون بالرسول من بني زهرة

ومن بني زهرة بن كلاب‏‏:‏‏ الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة.‏‏

المستهزئون بالرسول من بني مخزوم

ومن بني مخزوم بن يقظة بن مرة:‏‏ الوليد بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم.‏‏

المستهزئون بالرسول من بني سهم

ومن بني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب:‏‏ العاص بن وائل بن هشام.‏‏

قال إبن هشام:‏‏ العاص بن وائل بن هاشم بن سُعيد بن سهم.‏‏

المستهزئون بالرسول من خزاعة

ومن بني خزاعة:‏‏ الحارث بن الطُّلاطِلة بن عمرو بن الحارث بن عبد عمرو بن لؤي بن ملكان.‏‏

فلما تمادوا في الشر، وأكثروا برسول الله صلى الله عليه وسلم الاستهزاء، أنزل الله تعالى عليه:‏‏ ‏‏(‏‏ فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين، إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون ‏‏)‏‏.‏‏

 ما فعل الله بالمستهزئين

قال إبن إسحق:‏‏ فحدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، أو غيره من العلماء:‏‏ أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يطوفون بالبيت، فقام وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه، فمر به الأسود بن المطلب، فرمى في وجهه بورقة خضراء، فعمي.‏‏ ومر به الأسود بن عبد يغوث، فأشار إلى بطنه، فاستسقى بطنه فمات منه حبناً‏‏.‏‏

ومر به الوليد بن المغيرة، فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعب رجله، كان أصابه قبل ذلك بسنين، وهو يجر سبله، وذلك أنه مر برجل من خزاعة وهو يريش نبلاً له، فتعلق سهم من نبله بإزاره، فخدش في رجله ذلك الخدش، وليس بشيء، فانتقض به فقتله.‏‏ ومر به العاص بن وائل، فأشار إلى أخمص رجله وخرج على حمار له يريد الطائف، فربض به على شُبارقة، فدخلت في أخمص رجله شوكة فقتلته.‏ ومر به الحارث بن الطلاطلة، فأشار إلى رأس، فامتخض قيحاً، فقتله.
قال الإسماعيلي العظيم: يزيد بن رومان المدني، أبو روح القارئ، مولى آل الزبير بن العوام، قرأ القرآن على عبد الله بن عياش إبن أبي ربيعة، وسمع من عروة بن الزبير وصالح بن خوات، وقيل: إنه روى عن أبي هريرة وقرأ على إبن عباس وليس بشيء، وهو ثقة ثبت.


قصة أبي أزيهر الدوسي

 وصية الوليد لأولاده

قال إبن إسحق:‏‏ فلما حضرت الوليد الوفاة دعا بنيه، وكانوا ثلاثة:‏‏ هشام بن الوليد، والوليد بن الوليد، وخالد بن الوليد، فقال لهم ‏‏:‏‏ أي بني، أوصيكم بثلاث، فلا تضيعوا فيهن دمي في خزاعة فلا تَطُلُّنَّه، والله إني لأعلم أنهم منه برآء، ولكني أخشى أن تُسبوا به بعد اليوم؛ ورباي في ثقيف، فلا تدعوه حتى تأخذوه؛ وعُقري عند أبي أُزيهر، فلا يفوتنكم به.‏‏ وكان أبو أزيهر قد زوجه بنتاً، ثم أمسكها عنه، فلم يُدخلها عليه حتى مات.‏‏

 عقل الوليد عند خزاعة

فلما هلك الوليد بن المغيرة، وثب بنو مخزوم على خزاعة يطلبون منهم عَقْل الوليد، وقالوا:‏‏ إنما قتله سهم صاحبكم - وكان لبني كعب حلف من بني عبدالمطلب بن هاشم - فأبت عليهم خزاعة ذلك، حتى تقاولوا أشعاراً، وغلظ بينهم الأمر - وكان الذي أصاب الوليد سهمه رجلاً من بني كعب بن عمرو، من خزاعة - فقال عبدالله إبن أبي أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم:‏‏



 ما قيل من الأشعار في مقتل الوليد

إني زعيم أن تسيروا فتهربوا

وأن تتركوا الظهران تعوي ثعالبه

وأن تتركوا ماء بجزعة أطرقاً

وأن تسألوا:‏‏ أي الأراك أطايبه ‏ ‏

فإنا أناس لا تُطلّ دماؤنا  

ولا يتعالى صاعداً من نحاربه

وكانت الظهران والأراك منازل بني كعب، من خزاعة.‏‏

فأجابه الجون إبن أبي الجون، أخو بني كعب بن عمرو الخزاعي، فقال:‏‏

والله لا نؤتي الوليد ظُلامة

ولما تروا يوماً تزول كواكبه

ويُصرع منكم مُسْمن بعد مسمن

وتُفتح بعد الموت قسراً مشاربه

إذا ما أكلتم خبزكم و خزيركم

فكلكم باكي الوليد ونادبه

ثم إن الناس ترادوا وعرفوا أنما يخشى القوم السُّبة، فأعطتهم خزاعة بعض العقل، وانصرفوا عن بعض.‏‏

فلما اصطلح القوم قال الجون إبن أبي الجون:‏‏

وقائلة لما اصطلحنا تعجباً

لما قد حملنا للوليد وقائل

ألم تُقسموا تُؤتوا الوليد ظُلامة
ولما تروا يوماً كثير البلابل
فنحن خلطنا الحرب بالسلم فاستوت
فأمَّ هواه آمنا كلُّ راحل
ثم لم ينته الجون إبن أبي الجون حتى افتخر بقتل الوليد، وذكر أنهم أصابوه، وكان ذلك باطلاً‏‏.‏‏ فلحق بالوليد وبولده وقومه من ذلك ما حذره، فقال الجون إبن أبي الجون:‏‏
ألا زعم المغيرة أن كعباً
بمكة منهمُ قدر كثيرُ
فلا تفخر مغيرة أن تراها
بها يمشي المُعَلْهَج والمهير
بها آباؤنا وبها وُلدنا
كما أرسى بمثبته ثبير
وما قال المغيرة ذاك إلا
ليعلم شأننا أو يستثير
فإن دم الوليد يُطل إنا
نطل دماء أنت بها خبير
كساه الفاتك الميمون سهماً
زُعافاً وهو ممتلىء بهير
فخرّ ببطن مكة مسلحبَّاً
كأنه عند وجبته بعير
سيكفيني مِطالَ أبي هشام
صغار جعدة الأوبار خُور
قال إبن هشام:‏‏ تركنا منها بيتاً واحداً أُقذع فيه.

قال الإسماعيلي العظيم: الأشعار ركيكة منحولة ليست للذين تنسب أليهم, قيلت في عهد إبن هشام. 


مقتل أبي أزيهر و ثورة بني عبد مناف لذلك

قال إبن إسحاق:‏‏ ثم عدا هشام بن الوليد على أبي أزيهر، وهو بسوق ذي المجاز، وكانت عند أبي سفيان بن حرب عاتكة بنت أبي أزيهر- وكان أبو أزيهر رجلاً شريفاً في قومه- فقتله بعُقر الوليد الذي كان عنده، لوصية أبيه إياه، وذلك بعد أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومضى بدر، وأُصيب به من أصيب من أشراف قريش من المشركين؛ فخرج يزيد إبن أبي سفيان، فجمع بني عبد مناف، وأبو سفيان بذي المجاز، فقال الناس:‏‏ أُخفر أبو سفيان في صهره، فهو ثائر به.‏‏

فلما سمع أبو سفيان بالذي صنع إبنه يزيد- وكان أبو سفيان رجلاً حليماً منكراً، يحب قومه حباً ‏‏ شديداً- إنحط سريعاً إلى مكة، وخشي أن يكون بين قريش حدث في أبي أزيهر، فأتى إبنه وهو في الحديد، في قومه من بني عبد مناف والمطيبين، فأخذ الرمح من يده، ثم ضرب به على رأسه ضربة هده منها، ثم قال له:‏‏ قبحك الله أتريد أن تضرب قريشاً بعضهم ببعض في رجل من دوس.‏‏ سنؤتيهم العقل إن قبلوه، وأطفأ ذلك الأمر‏‏.‏‏

فإنبعث حسان بن ثابت يحرض في دم أبي أزيهر، ويعير أبا سفيان خُفْرَته ويُجبنه، فقال:‏‏

غدا أهل ضوجَىْ ذي المجاز كليهما

وجار إبن حرب بالمغمس ما يغدو

ولم يمنع العَير الضروط ذماره

وما منعت مخزاة والدها هند

كساك هشام بن الوليد ثيابه

فأبْلِ وأخلفْ مثلها جدداً بعد

قضى وطراً منه فأصبح ماجدا

وأصبحت رخواً ما تخُب وما تعدو

فلو أن أشياخاً ببدر تشاهدوا

لَبلَّ نعال القوم مُعتبط وَرْدُ

فلما بلغ أبا سفيان قول حسان قال:‏‏ يريد حسان أن يضرب بعضنا ببعض في رجل من دوس بئس والله ما ظن.
قال الإسماعيلي العظيم: الشعر لا بأس به.

مطالبة خالد بربا أبيه، و ما نزل في ذلك من القرآن

ولما أسلم أهل الطائف كلم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في ربا الوليد، الذي كان في ثقيف، لما كان أبوه أوصاه به.‏‏ ‏

قال إبن إسحق:‏‏ فذكر لي بعض أهل العلم أن هؤلاء الآيات من تحريم ما بقي من الربا بأيدي الناس نزلن في ذلك من طلب خالد الربا:‏‏ ‏‏(‏‏ يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ، وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏إلى آخر القصة فيها ‏‏.‏‏

 ثورة دوس للأخذ بثأر أبي أزيهر، و حديث أم غيلان
ولم يكن في أبي أزيهر ثأر نعلمه، حتى حجز الإسلام بين الناس؛ إلا أن ضرار بن الخطاب بن مرادس الفهري خرج في نفر من قريش إلى أرض دوس، فنزلوا على إمرأة يقال لها أم غيلان، مولاة لدوس، وكانت تمشط النساء، وتجهز العرائس، فأرادت دوس قتلهم بأبي أزيهر، فقامت دونهم أم غيلان ونسوة معها، حتى منعتهم، فقال ضرار بن الخطاب في ذلك:‏‏
جزى الله عنا أم غيلان صالحا
ونسوتها إذ هنَّ شُعث عواطلُ
فهن دفعن الموت بعد اقترابه
وقد برزت للثائرين المقاتل
دعت دعوة دوساً فسالت شعابها  
بعز وأدَّتها الشَّراج القوابل
وعمراً جزاه الله خيراً فما وَنى
وما بردت منه لدي المفاصل
فجرّدت سيفي ثم قمت بنصله
وعن أي نفس بعد نفسي أقاتل
قال إبن هشام:‏‏ حدثني أبو عبيدة:‏‏ أن التي قامت دون ضرار أم جميل، ويقال أم غيلان؛ قال‏‏:‏‏ ويجوز أن تكون أم غيلان قامت مع أم جميل فيمن قام دونه‏‏.


الجزء الثامن جهاده معه صلى الله عليه وسلم وموته قال‏‏:‏‏ ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان معه بالمدينة حتى قبض الله ر...